أينشتاين توهج حضاري 1879 ـ 1955

العدد: 
14850
سبت, 2017/02/04

(هلمّي نمتع النفس بهذا الحلم الجميل قبل أن نستيقظ منه) هذا ما كان يقوله لزوجه أليزا  إبان ذهابه إلى السويد في تموز عام 1923 لتسلم جائزة نوبل للسلام بعد أن حاضر أمام فريق من العلماء ومعهم ملك السويد علماً بأنه على رأس الهرم من شروط منح جائزة نوبل أن يحقق البحث نجوعاً مميزاً ونتائج إيجابية للإنسانية جمعاء وقد حققت النظرية النسبية فتحاً مذهلاً في العلوم الطبيعية وعلى التخصيص التطبيقات الفيزيائية كإنتاج الطاقة ذات الأهمية البالغة واقتحام الفضاء لاكتشاف ما يمكن اكتشافه بشكل لا يمكن إحصاء فوائده للإنسان والعلم.

وقد يعترض بعضهم بأنها حققت نتائج سلبية بتصنيع القنبلة الذرية التي اغتالت هيروشيما وناغازاكي ومن فيهما .

وهذا حق ولكن الجريمة هنا تقع على كاهل من صنعوا القنبلة ومن ألقوها على اليابان لا على أينشتاين الذي استهدف النفع والفائدة العظمى للإنسان والعلم . ولهذا نطق مقولته المشهورة (ثمة أشياء من الأفضل عدم إنجازها) وهذا اعتراض كبير على تصنيع القنبلة الذرية ، وبمعنى أكثر وضوحاً لم يكن مع مقولة فرنسيس بيكون بـ (إن هدف العلم أن يحقق كل ما يمكن تحقيقه) ولكن الشرط الأساسي الذي يراه أينشتاين هو ألا يسيء العلم إلى الإنسان والطبيعة.

إذن في عام 1958 بدأت معرفتي بأينشتاين الذي صدر عنه كتاب في بيروت تحت عنوان (أينشتاين) وحينذاك تعرفت على النظرية النسبية الخاصة والعامة . ورغم إعجابي اللا محدود بهذا العالم والفيلسوف المذهل وجدتني أختلف معه على صعيد السرعة القصوى للضوء /300/ ألف كيلو متر في الثانية وهي أقصى سرعة ممكنة مؤكداً حسب ظني بأنها يجب أن تكون أكثر من ذلك ، ولكنني لم أكن أعرف لماذا أمتلك هذه القناعة التي لا أمتلك بينة عليها . حتى إن أخي كان يقول لي ساخراً: (أنت أفهم من أينشتاين؟!) فأجيبه بكل ثقة: أنا أقل علماً منه لكنني أمتلك ظناً قطعياً بأنه لا بد أن تكون هناك سرعة أكبر من سرعة الضوء وفقاً للآية التاسعة والعشرين من سورة الشورى القائلة (ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير) وأنت يا بهاء تؤمن بمصداقية القرآن التي تفيد بما أقول رغم أنني لا أؤمن بما تؤمن به .

وراحت الأيام تترى وآمنت إيماناً مطلقاً بأن القرآن هو كتاب الله المقروء وأن الكون هو كتابه المخلوق . وفي تسعينيات القرن العشرين اكتشف العلماء أن النباتات ترسل أمواجاً إلى السماء هي أسرع من الضوء ومنذ تلكم الأيام أصبح عندي أينشتاين وما زال من أعظم علماء الطبيعة في العصر الحديث .

وهذا ما جعلني أعتبره منطلقاً حضارياً وإشعاعاً علمياً ومعه ماكس بلانك مؤسس الفيزياء الكوانتية . وأعتقد أن العالم ماكس بورن أصاب كبد الحقيقة بعد أن اطلع على النظرية النسبية قائلاً (تبدو لي هذه النظرية أنها أعظم إنجاز يقوم به إنسان عن الطبيعة والكون).

بيد أنه لم تظهر عليه بوادر الذكاء حينما كان تلميذاً في المدرسة لأن أساتذته لم يكونوا على مقدرة لاكتشاف ذكائه الوثاب مثله في ذلك مثل الفيلسوف فريدريك هيجل  الذي كانوا يطلقون عليه في المدرسة(الدب) ومع ذلك أصبح من أكبر الفلاسفة فيما بعد كما أصبح أينشتاين من أعظم العلماء حتى يومنا هذا وأضرب لكم مثالاً على ذكاء صاحب النظرية النسبية ففي الخامسة من عمره قدم له والده بوصلة مغناطيسية ،ولما وجدها تتجه دائماً إلى الشمال بغض النظر عن إطارها الخارجي قال أينشتاين : لا بد أن يكون الفضاء الذي يحيط بهذه الإبرة ليس خالياً ولا بد من وجود ما يجعلها تتوجه تلقاء الشمال .

كان أعظم علماء العصر في العلوم الكونية وإضافة إلى ذلك كان فيلسوفاً ومتصوفاً ويمتلك نظرات ثاقبة في العلوم الإنسانية ففي عام 1922عيّن  في لجنة التعاون الدولي الملحقة بعصبة الأمم لكنه اكتشف بعد ذلك أنها تحمل سوء الطوية في مزاعمها لأنها لا تمنع اللجوء إلى القوة حينما يختص الموضوع بمصالح الدول العظمى وأنها ليست أكثر من وسيلة لفرض ما تريده الدول القوية على الدول الضعيفة ، كما سارع إلى التوقيع على بيان الفيلسوف وداعية السلام برتراند راسل عام 1941 الذي وقف ضد الحرب النووية وأن على الدول أن تعمد إلى حلّ خلافاتها بالطرق السلمية وفي مقابلة تلفزيونية قال لحكام الدول الكبرى: (من المفروض أن يكون سباق التسلح وسيلة دفاعية لكنه أصبح اليوم ذا طابع جنوني ،ووفقاً لهذا فسوف يأتي يوم يزول فيه كل أثر للحياة على وجه الأرض ) .

وهذا ما يؤكد إصراره الدائم بأن قتل أي إنسان يبعث على الاشمئزاز ولهذا كان إنسانياً بكل المفاهيم والأعراف بقدر ما كان من أبرز حملة لوائح القيم في العصر الحديث وهذا ما يعبر عنه بشكل غير مباشر قائلاً: (إن أجمل انفعال تهتز له نفوسنا هو الانفعال الصوفي) باعتبار التجربة الصوفية من اللحظات الفذة التي يمر بها كبار المتواصلين مع الله حيناً بعد حين لأنها لا تمتلك الاستمرار وبمعنى أدق يستحيل عليها الاستمرار مطلقاً ولعل هذا ما أدى بألبرت أينشتاين إلى الإيمان بالديانة الكونية حسب مصطلحه الخاص وفي حدود رؤيتي لم يبعث الأنبياء والرسل إلا بالإسلام للناس قاطبة أي بالديانة الكونية لأن رسالاتهم تلقوها من رب الكون الذي أوحاها إليهم ليكونوا هداة للناس في الحياة الدنيا ويوم يبعث الناس إلى رب العالمين.

وأخيراً أود أن أعلمكم بأن هذا الرجل العظيم رفض دعوة الصهيونية العالمية حينما عرضت عليه أن يكون رئيساً لإسرائيل .

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد