الفنان التشكيلي برهان عيسى .. عوالم جمالية وذائقة غنية

العدد: 
14856
جمعة, 2017/02/10

نشأ في أسرة تعشق الفن والإبداع إذ كانت بداية انطلاقته الفنية مع الإعلانات السينمائية التي كان يقوم بها والده ويقدم معارض عنها في دور السينما بحلب.

إنه الفنان التشكيلي برهان عيسى الذي نمت وترعرعت تجربته الفنية في أحضان والده المحترف حتى تفتقت لديه تلك الموهبة الفنية الثرية التي استلهمت إيحاءاتها من التراث الحلبي الأصيل ، فجسدته ريشته المبدعة بانسياب من خلال رسم وتصوير شوارعها وأزقتها وبيوتها القديمة وقبابها التي تشكل إرثاً حضارياً قل نظيره في العالم.

والفنان عيسى من عشاق الواقعية لأنها الرابط الوثيق بالأرض والناس وتراث البلد الذي نشأ منه  وفيه وعشقه عشقاً جماً، فهو يتبع في طريقة أعماله النهج الأكاديمي البحتة لكونه ينقل الأعمال التراثية بكل تفاصيلها التي لا يراها سوى الذواق وبرؤيته  الفنية وبلغة مبسطة يفهمها الجميع .

عمل بجديه مفرطة ضمن منهج واقعي معتمداً في أعماله على القواعد الأكاديمية الصارمة التي نهلها من والده ، مجسداً في لوحاته موضوعات مختلفة منها حارات قديمة وأسواقاً شعبيه وحرفاً يدوية متعددة بالإضافة لرسم صور لأفراد أسرته وأصدقائه فكانت لبراعة سيطرة أنامله على مساحة اللوحة البيضاء الدافع القوي للأهل والأصدقاء لتشجيعه في إقامة معرضه الأول كي يتعرف عليه الناس ويبيّن لهم إمكانياته الفنية والتعبيرية المبدعة , فأقام معرضه الأول عام 1976 وهو شاب في مقتبل العمر حيث أثارت لوحاته الدهشة والإعجاب في نفوس الحضور مفصحين عن أنامله المبدعة وفجرت هذه الحالة في ذات الفنان الشاب عاصفة من الفرحة العارمة وسبح بطموحات أماله وأحلامه المستقبلية في فضاءات الإبداع متيقناً بأن تفاعل جمهور الحضور وتواصلهم معه ومع إبداعاته شهادة جميلة منهم منحته الحيوية للسير بخطى واثقة ورائعة.

وفي ذاك الوقت كان يعمل في مجال الإعلان الفني والتصميم الدعائي وقد نفذ الكثير من الإعلانات والتصاميم الدعائية والتجارية منها الفنية بخبرة متقنة ومتميزة ما زالت البعض منها شاهدة له في مدينة حلب حتى يومنا هذا.

واستطاع الفنان من خلال بحث وعمل دؤوبين أن يكشف عن غزارة إنتاجه الإبداعي كعاشق لا يرتوي من عشق محبوبته أيقظ من خلالها ذائقة المتلقي للإبحار في عوالمه الفنية والجمالية المعبرة.

فيرسم أزقة وشوارع ومهن بلاده التي يعتز ونعتز بها لذلك يقوم بنقل الصورة بأمانة لتعمر لدى الأجيال القادمة ولتبقى لهم إرثاً يتعرفوا من خلالها على الأزقة والمهن والتراث الأصيل ، كما لم يهمل المهن اليدوية والحرف الآيلة للاندثار والزوال بفعل عصر المدينة وصراعات الحداثة ، لكن أغلبها مجسدة  وما زالت باقية تنبض بالحياة على سطح لوحات فناننا المبدع , كي توقظ ذاكرة الأجيال التي جرفتها عصر الحداثة وصراعات الموضة والتطور.

فيبقى التركيز في أعمال الفنان برهان على مدينتنا حلب التي تعتبر بؤبؤ العين بالنسبة للفنان والفنانين المتبقين في هذه المدينة التي صمدت بأهلها وناسها وفنانيها ففيها نشأ وفيها تفتحت عيونه على عشقها السرمدي، لذلك اهتم الفنان بفسيفسائها اللوني بكل أطيافه وأهمها كانت البيوت القديمة والطينية ذات القبب الجميلة التي تعطي دفئاً في الشتاء وبرودة في الصيف في حالة طبيعية هي بحد ذاتها متلازمة مع الأزقة القديمة والبوابات الرائعة والنوافذ المتعانقة مع الدوالي التي تمد الفنان بالدفء لتنفيذه مثل تلك الأعمال التي يجسد لتراثنا تاريخاً عريقاً .

ت. أحمد حفار

حلب
الكاتب: 
ابراهيم داود