مشهد سيدنا الحسين عليه السلام في حلب

العدد: 
14866
اثنين, 2017/02/20

لا يزال سيدنا الإمام الحسين عليه السلام معلم التضحية ورائد الإباء علاوة على عظيم قدره وعلو مقامه لدى كلِّ ذي عقلٍ ليس في المسلمين فحسب بل في كل البشر على الإطلاق.

لذلك فقد كانت آثاره محط اهتمام الناس يتعظون بها ويبتغون بزيارتها نيل البركة ، ويجددون ذكرى الإمام الشهيد في النفوس.

وكما قال الراجز:

زيارةُ الحسينِ من خيرِ القُرَب...وهيَ على المؤمِن أمرٌ قد وَجَب

في فضلها قد جاءَ مالا يُحصى...ما عمّ كلّ زمنٍ وخصّا

ومن المواقع المباركة التي تخصُّ سيدنا الحسين عليه السلام في مدينة حلب مشهده على سفح جبل جَوْشَن غربي مدينة حلب الشهباء، ويُسمى بمشهد النقطة أيضاً.

يُعتبر هذا المشهد من أهم الرموز الدينية في حلب فهو مَقصد آلاف الزائرين سنوياً من مختلف أنحاء العالم.

يقول المؤرّخ ابن شداد في الأعلاق الخطيرة: وكان السبب في إنشائه ما حكاه يحيى بن أبي طيء في تأريخه أنّ رجلاً راعياً يُسمى عبد اللّه يسكن في درب المغاربة وكان يخرج كل يوم لرعي الغنم فنام في يوم الخميس العشرين من ذي القعدة سنة (570هـ) بعد صلاة الظهر فرأى في نومه في المكان الّذي بُني فيه المشهد كأن رجلاً أخرج نصفه من شقيف الجبل المطلّ على المكان، ومدّ يده إلى أسفل الوادي وأخذ عنزاً. فقال له: يا مولاي لأي شيءٍ أخذت هذه العنزة وليست لك؟ فقال: قُل لأهل حلب يعمّرون في هذا المكان مشهداً ويسمّونه مشهد الحسين. فقال: لا يرجعون إلي قولي. فقال: قُل لهم يحفرون هناك. ورمى بالعنزة من يده إلى المكان الّذي أشار إليه. فلما استيقظ رأى العنز قد غاصت قوائمها في المكان. فجذب العنز فظهر الماء من مكان قوائمها. فدخل حلب ووقف على باب الجامع القبليّ وحدّث بما رأى فخرج جماعة من أهل البلد إلى المكان الّذي ذكره فرأوا العلامة على ما وصف الموضع الذي ظهرت فيه العين في غاية الصلابة بحيث أّنه لا تُعمل فيه المعاول وكان به معدن للنحاس قديماً فأنبطوا العين فثرّت وغزر ماؤها.

ثم خطّوا في ذلك المكان المشهد المذكور وتولّى عمارته الحاجّ أبو نصر بن الطبّاخ، وأخذ له الجمال يوسف بن الإكليليّ طالعاً يوم الشروع فيه فكان القمر في الأسد على تثليث المشتري وبلغني عنه أنّه قال: قد أخذتُ لهذا المشهد طالعاً لو أراد أهل حلب أن يبنوه ذهباً لما عجزوا. وكان ذلك في أيّام الملك الصالح بن الملك العادل نور الدين. فأمدّهم بإسراع وعجل وشرعوا في البناء فبنوا الحائط القبلي واطيّاً. فلمّا رأى جدّي الشيخ إبراهيم بن شدّاد بن خليفة بن شدّاد لم يرضه وزاد في بنائه من ماله. وتعاضد الناس في البناء فكان أهل الحرف يفرض كلّ واحد منهم على نفسه يوماً يعمل فيه وكذا فرض له أهل الأسواق في بياعاتهم دراهم تُصرَف في المؤن والكلف. وبنى الإيوان الذي في صدره الحاجّ أبو غانم بن شقويق من ماله. وهدم بعد ذلك بابه وكان قصر الرئيس صفيّ الدين طارق بن عليّ البالسيّ رئيس حلب ورفع بناءه عمّا كان عليه أوّلاً وذلك في سنة خمس وثمانين وخمسمائة وفي هذه السنة انتهت عمارته.

وفي سنة (660هـ) لما تولى الملك الظاهر، قام بترميم البناء وتجديده فأعيدت النشاطات الدينية فيه وفي أواخر القرن العاشر أيضاً تم ترميم البناء مرة أخرى.

وهناك رواية تقول: بأن موكب السبايا المرافق لرأس سيدنا الحسين سار عبر المدن المركزية في العراق والشام من الكوفة إلى الموصل ثم إلى حلب فحماة فحمص فدمشق. فحين وصولهم إلى مدينة حلب نزلوا خارج المدينة على سفح جبل جوشن، ووضعوا رأس الإمام الحسين على صخرة كانت هناك، فتساقطت قطرات من دم سيدنا الحسين على الصخرة فكانت القطرة موضع اهتمام أهل حلب .

هذا وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى في سنة (1332هـ ـ 1914م)  استعمل العثمانيون هذا مشهد سيدنا الحسين كمستودعاً للذخائر الحربية، واستمر ذلك حتى أواخر (1337هـ ـ 1919م) .

ومع بدء دخول الفرنسيين حلب؛ هجمت جماعة من رعاع الناس على المسجد وقامت بنهب الذخائر والأسلحة التي تركها العثمانيون وفي حينها انفجرت الذخائر حيث تهدّم معظم بنيان المسجد.

بقي المشهد مُهدماً حتى سنة (1379هـ ـ 1959م) حيث أُعيد بناء ما تهدم وترميم ما بقي من المسجد، بمساعي جمعية الإعمار والإحسان الإسلامية الجعفرية، وكذلك أُعيدت الصخرة إلى مكانها.

وجديراً بالذكر أن مشهد سيدنا الحسين يتشكّل من عمارة ضخمة فيه باحة سماوية وإيوان ومصلى مسقّف فيه محراب له عمودان من المرمر. وفوق البناء ثلاث قباب ترتكز على أكتاف أربعة قناطر متقابلة داخل الرواق. منها قبة عظيمة لها متدليات، وتتميز القباب بجمال مقرنصاتها البسيطة. وفي الجهة الشمالية للصحن رواق، وفي هذا الرواق من جهته الشرقية مدخل وأربع غرف، وفي الزاوية الشمالية الغربية يوجد ممر مسقّف ينتهي إلى قاعة كبيرة يشكل وحدة معمارية متكاملة.

وقد تعرض المشهد لاعتداءات الإرهابيين التكفيريين حيث كان له نصيبٌ من موجة التفجيرات التي نالت الأضرحة والمقامات والمشاهد في سورية عموماً وفي حلب على وجه الخصوص.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة