الأزمة وأبعادها

العدد: 
14879
أحد, 2017/03/05

تحتل الشارع العربي منذ نهايات القرن العشرين وحتى إطلالة العام السابع عشر من القرن الواحد والعشرين صيحات حيناً وهمسات حيناً آخر وفقاعات صوتية في البيوت والمقاهي والمكاتب ودور العبادة بكل توجهاتها ... نحن في أزمة ...

وأنا شخصياً، أفصح عن طويتي بكل تواضع قائلاً: إنني لا أرى أزمة وإنما أكاد أرى احتضاراً مؤقتاً للإنسان العربي الذي وصف ما نحن فيه على أنه أزمة، وأعلن موافقتي الرجراجة على أنها أزمة ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بلا استئذان: ما هي هوية الأزمة التي تخيم على معظم الجغرافيات العربية اليوم؟

والإشكال الآخر أن كل فريق يشخص الأزمة من حيث معاناته ووفقاً لرؤيته أو لأهوائه في معظم الأحيان مطارداً ليلاه في الظلمات ...

فريق منا يتلمس الأزمة من خلال الاستعمار الذي حط ثقله في الجنوب السوري (فلسطين) حسب سايكس بيكو، لكنه ما زال يمشي معربداً في كل أو معظم الشوارع والساحات العربية والعالمية وفريق آخر يرصد الأزمة على ضوء المتغيرات الاقتصادية بحيث تأخذ أشكالاً مختلفة ومتناقضة في بقعة متجاورة وتخضع لسلطة واحدة.

وفريق ثالث يجسد الأزمة في الجهل الذي يكسو بردائه المقرف قسماً كبيراً من العرب بما في ذلك بعض رجالات السلطة ورجالات الدين.

بينما يتحسسها فريق رابع عبر لوائح القيم التي لم يعد لها وجود إلاّ قليلاً في حين يتلمسها فريق خامس في أرجوحة التخبطات السياسية لكل أو معظم الدول أو الدويلات العربية.

أما الفريق السادس وليس الأخير فيراها في إشكالية الأنوثة والذكورة ، فكل منهما يطارد الآخر ويموت بلا إشباع كيوم سن البلوغ.

وفي الحقيقة كل ما ذكرت إضافة إلى تأزمات أخرى بدءاً من التخلف وكل ما يلوذ به يشكل تأزمات مستعصية في كثير من الأحيان فتتحول إلى فتن خرقاء أو خرساء أو هوجاء تحصد الأخضر واليابس وتعيد الأمكنة التي تتحرك فيها بما في ذلك سكانها إلى العصر البدائي وهذه العبارة الأخيرة تذكرني بمقولة لكسينغر وزير خارجية أمريكا في سبعينيات القرن الماضي حينما صرح قائلاً : سنعيد العراق إلى العصر البدائي .

وفي القرن الحالي غدت التأزمات كلها إرهاباً مبرمجاً ومهندساً بتقنية بارعة، لكنما تؤكد المعطيات التاريخية الحديثة أن الإرهاب لم يكن وليد إطلالة القرن العشرين ، لأن بداياته قديمة وإن لم تكن مهندسة بتقنية عالية وكان مقاومو الإرهاب الذين نعرفهم جيداً بدءاً من عبد الكريم الخطابي وعمر المختار وأحمد بن بيلا وأحمد عرابي وعز الدين القسام وسلطان باشا الأطرش والشيخ صالح العلي وإبراهيم هنانو ومن هم على شاكلتهم النضالية على طول الشارع العربي يقفون في وجهه، في حين غدا الإرهاب في السنوات الأخيرة سلوكاً همجياً قتلاً ودماراً بكل ما يحمله من مواصفات همجية ..

ولدى الوقوف عند التأزمات وتزاوج الفتن وتفاقم الإرهاب سورياً وعربياً وعالمياً تنبري تساؤلات من بعدها تساؤلات وعلى رأس الهرم منها ذلك التساؤل الذي يفرض نفسه على عاتق كل شاهد على العصر: إلى أين المصير؟؟!!

والإجابة عن هذا التساؤل في ضمير الغيب لأن ما هو آت مجهول بالنسبة لنا نحن البشر ، لكنما نمتلك استشرافات قد تحمل الإجابة أو بعضها وسبق أن عمدت إلى ذلك في مقال سابق بعنوان (مصير العالم) وأفرغت جعبتي إلاّ قليلاً حينما أشرت إلى أن هذه التأزمات التي رسمها الآخر بأحكام تكاد ترفع تحية الوداع في العام الحالي وإلاّ ستؤدي إلى حرب كونية ثالثة تحرق أول ما تحرق من رسموها ليحرقوا غيرهم لكنما سينالهم الحظ الأكبر منها وغالب الظن أن المحترقين بها حالياً هم من سيقررون مستقبل البشرية لأن العولمة التي بشّر بها فوكوياما مقدمة على احتضار لا مفر منه وأن صراع الحضارات الذي أشار إليه هنتجتون ستخف وطأته لسبب بسيط جداً قوامه أن المرشحين لرسم مستقبل العالم لا يؤمنون بصراع الحضارات الذي يحمل لواءه الغرب السياسي وأعوانه أو لنقل سادته وإنما يؤمنون بضرورة أن يحقق كل مواطن في العالم شرطه الإنساني في الحدود الممكنة لهذه الحياة وهذا ما تطلعت إليه حضارات الهلال الخصيب في العصور القديمة وما سعى العرب المسلمون إلى تحقيقه في العصور الوسطى لكنما أبى كل من الغرب السياسي والصهيونية العالمية قبوله ولهذا أعيدت جدلية صراع الحضارات إلى مسار التاريخ ..

هذا التاريخ المحموم منذ أن سارع قابيل إلى قتل أخيه ظلماً وبهتاناً.

فهل من شاهد على التاريخ ليقدم اليوم رؤيته بشفافية عالية؟!!

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة