الفنان التشكيلي بشار برازي وتداعيات اللون والضوء

العدد: 
14883
خميس, 2017/03/09

الرجل الحالم,  الساخر, المتقشف بنبتة غامضة في رأسه كان عليه أن يجرب في كل شيء بالفن الذي ركض وراء موسيقى وكلمات وأوهام وحياة مبددة, كان عليه أن يعرف أن لا مفر له من لون يفرشه على قماش أو على ورق أبيض وعجينة يصور منها بشراً وجدراناً عاتمة قاتمة بألوان الرمادي لتحلم ببريق لونها الزاهي .

انشغل النحات بشار برازي في بدايات علاقته بفن النحت العمل على أسطورة جلجامش، وهاجس الكتلة والفراغ لديه بإنكيدو وتحولاته وعلاقته بالمرأة وقد بدأت تحوله في السنوات القليلة السابقة من الكتلة إلى اللون فهو الإنسان الفنان وهذا يعني بداية جديدة وجيدة , ومسيرة مختلفة في حياة الفنان, وما شاهدناه في معرضه الأخير الذي أقيم في صالة الأسد للفنون الجميلة مع نهاية عام 2016 ، قدم الفنان مفاجئة لطيفة وجميلة من حيث اهتمامه بالرسم بألوان الإكرليك على القماش والألوان المائية على الورق والذي طرح أكثر من 75 لوحة وهذا مفاجئ من الناحية الإنتاجية والطرح بالمواضيع التعبيرية .

ويمكن القول أن الفنان أعطى إبداع بمهارة ولم يأت هذا التغيير في الطرح والأسلوب عن عبث, أو من خلال يوم واحد, بل أنه جاء من دراسة عميقة وطويلة وتخمرت هذه الفكرة في خيال الفنان طويلاً من الزمن, ونتيجة لهذه الدراسة الداخلية أعطى إنتاج في منتهى الإخلاص الموضوعي ، أما من ناحية التحليل الفني  فأقول : لقد رأيت كثيراً من فناني العالم تأثروا بفنانين آخرين ، من قريب وبعيد, لكن أرى أن الفنان برازي فنان متأثر بنفسه الذاتي, ولذلك نجد قوة الخط الغالبة من أساس الفنان النحات, وهذا حال كبار النحاتين الذين صمموا لوحات هامة. ومالوا إلى اللوحة بعد انجاز أعمال نحتية .

والفنان برازي يصمم أشكال لوحاته مع الأخذ بعين الاعتبار البعد الثالث وهي مهمة الفنان النحات الذي ينجز أشكاله كتماثيل مرسومة, والذي يجعل صلته قريبة مع ذاكرة النحات. ثم يطليها ألوان شفافة وكأنها أشكال من المرمر الناصع محفوف بأصابع قوية ، ونلاحظ تأثير سطحي ، تأثير يأتي من بعض أفراد عائلة الفنان الخاصة ، وتأتي المسيرة الجديدة عند الفنان, في تجاربه الأخيرة لتحمل موضوعية هامة وأقرب تفاهماً لدى الجمهور المتلقي, فيها يعطي الفنان الحرية لنفسه كي يعبر عن أفكار متراكمة في داخل الفنان مليئة في الإحساس الذاتي ويشارك به إحساس المتلقي. مواضيع فنية تحمل أشكال مختلفة فيها من الفلسفة العميقة, وفيها من النقد الخاص, وفيها من العتاب أيضاً. كما فيها همسات عالية في خصوصية المأساة الطويل وحديث عن جروح مازالت تنزف.

نشاهد في بعض الأعمال وجه المرأة الحزينة, التي فقدت سعادتها.  تطاول الوجه وكأنه حبة من اللوز, وهذا مفهوم عن الألم الداخلي واللون الأحمر والذي غمر الكثير من بقع أرض البلد لوحات تحاكي الواقع الذي يشعر به من في المهد ، أعمال فنية تحاكي مسرحية اللون والهندسة العمرانية, همسات المدن السورية والتي لم يبق في الكثير منها سوى بعض الواجهات, وكأنها أصبحت كمدينة أفاميا أو مدينة تدمر أدخل فيها بعض الرموز كحيوانات صغيرة تحكي لبعضها وتتحاور, بشكل أصبح غريب على الإنسان مع وجود الأمل، ولو كانت آلامه عميقة, لم يغادر الأمل ويشير في ألوانه إلى المستقبل فيستخدم ألوان نظيفة وألوان فيها رغبة منتظرة .

الفنان بشار برازي فنان عريق واجتماعي, لم يُجسد الأشياء ليُرضي المتلقي فحسب بل يعمل ليُرضي دافعه الداخلي ، يُعبر عن أهداف بعيدة المدى ضمن أسئلة صامتة. و يتجاوب مع الفنان الذي يحمل رسالة ،  وفي انتقاله الحديث هذا مازال متمسك في فكرة النحات, وهذه حالة سار بها كبار الفنانين ، وكل مرحلة لها ميزتها الخاصة وفي مرحلة اللون عند الفنان برازي يتفوق الإبداع والتعبير يصل بشكل أعمق.

حلب
الكاتب: 
ابراهيم داود

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة