العقل والإسلام .. وحدة المسار وسبيل المصلحين 2/3

العدد: 
14887
اثنين, 2017/03/13

كمالُ العقلِ يَمْنَحُنا الكمالا... وذا من فيضِ خالِقنا تعالى

فسبحان الذي أعطى عقولاً... فسارت للهُدى تبغي الوصالا

فلولا العقل كُنّا في هلاكٍ... ولولا الهَديُ دنيانا ضلالا

إن كل شيء إذا كثر رخص غير العقل، فإنه إذا كثر غلا، وكان من عادة ملوك الفرس أنه إذا غضب أحدهم على عالم حبسه مع جاهل لشدَّة ما يقاسيه أصحاب العقول في صحبة الجهلاء.

وإن الباحث في السنة النبوية الشريفة ليجد أحاديثاً كثيرةً وردت في عظيم فضل العقل ورفيع منزلته منها ما رُوي عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْجِهَادِ - حَتَّى ذَكَرَ سِهَامَ الْخَيْرِ - ، وَمَا يُجْزَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا بِقَدْرِ عَقْلِهِ) رواه الطبراني في المعجم الكبير.

وكذلك ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما يرتفع الناس في الدرجات وينالون الزلفى من ربهم عز وجل على قدر عقولهم ) رواه صاحب بغية الباحث.

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن رجل شدة عبادة سأل: كيف عقله ؟ فإذا قالوا حسن. قال: أرجوه. فإن قالوا غير ذلك قال: لم يبلغ. قال أبو الدرداء: وذكر له عن رجل من أصحابه شدة وعبادة، فسأل: كيف عقله ؟ فقالوا: ليس بشيء يا رسول الله، فقال: لم يبلغ صاحبكم حيث تظنون ) مسند الشاميين.

وأورد ابن الجوزي في كتابه الأذكياء ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه دخل على عائشة رضي الله عنها فقال: ( يا أم المؤمنين أرأيت الرجل يقلُّ قيامه ويكثر رُقاده أيهما أحب إليك؟ قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني عنه فقال: أحسنهما عقلاً، قلت: يا رسول الله أسألك عن عبادتهما. فقال: يا عائشة إنما يسألان عن عقولهما فمن كان أعقل كان أفضل في الدنيا والآخرة) . 

وقال التابعي الجليل الحسن البصري: ( ما يتم دين الرجل حتى يتم عقله ) وعندما جاء سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه مُعلناً دخوله في دين الله تعالى، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلاً رَجَوتُ أن لا يُسلمك إلا إلى خير ) رواه البيهقي في دلائل النبوة.

ولأن العقلاء يتفاوتون في إمكانيات العقل ويختلفون في تحصيل ما ينميه من التجارب والعلم كان الحكم على الأشياء يختلف بين شخص وآخر؛ بيد أنّ العقل _ إن تحرر من الأسبقيات الفكرية_ لا يوصل إلا إلى الخير، نعم العقل يهدي إلى دين الله الحق ويجد ضالته في تعاليمه السمحة، ويطمئنُّ لشريعته الغراء.

أما إن شابَ العقلَ شهوات وأهواء فسيهوي في سحيق الضلالات، قال تعالى: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [سورة الجاثية: 23].

وفي هذه الحال لا بدّ من البحث عن منهج العقلاء ليسير خلفه، إذ أن العقل الذي يعجز عن سلوك سبيل الهدى كان لزاماً عليه السير خلف أصحاب العقول النيّرة واتباعهم.

لو يعلم الرحمن خيراً في الَّذي...جهل الأمور لما اصطفى العقلاء

ولهذا كانت الدعوة لاتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يمثل الإنسان الكامل قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [سورة الأحزاب: 21]، وفي تصريحٍ إلهي لسلامة النهج العقلي والسلوكي قال سبحانه:{ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [سورة يوسف:108].

لقد وضع الإسلام العقل في مكانةٍ عالية وجعل حفظه من الضرورات والمقاصد الأساسية في دين الله تعالى، فمن المعلوم أن الضرورات الخمس في الإسلام هي: حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وهي بمثابة المقاصد العليا لهذا الدين الحنيف، والتي لا بد من المحافظة عليها لاستمرار الحياة وبناء الإنسان جيلاً بعد جيل.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة