الذكريات

العدد: 
14892
سبت, 2017/03/18

يتقاعد العاملون في الدولة سواء كانوا على نظام التأمين والمعاشات وبقي منهم القلة أو على نظام التأمينات الاجتماعية وهم الغالبية العظمى عندما يتمون الستين من العمر.

وقد اعتبر التشريع السوري هذا العمر وسطياً للتقاعد والمبدأ العام فيه.

أما العاملون في النقابات المهنية العلمية من أطباء أو أطباء أسنان أو مهندسين أو مهندسين زراعيين ومحامين وغيرهم فالعمر مفتوح وقد يستمرون حتى بلوغهم الخامسة والثمانين وأعرف بعض الزملاء من المحامين وقد بلغت مزاولتهم لمهنة المحاماة أكثر من خمسة وخمسين عاماً.

أما من يتقاعد في سن متأخرة وهم في الأصل من العاملين في الدولة فقد  تم استثناؤهم لأسباب مختلفة لا مجال لذكرها الآن منهم شريحة القضاء وشريحة أساتذة الجامعات فقد تمدد خدمتهم حتى السبعين من العمر.

ومن ناحية أخرى فقد حددت بعض القوانين في الدول العربية سن الترشيح للمجالس المحلية والتشريعية والجمعيات الأهلية وغيرها إذ يجب ألا يتجاوز السابعة والسبعين لوجود شبهة الخرف والمرض وعدم القيام بالمهام على أكمل وجه ولإتاحة الفرصة للشباب ولكن بعض الدول الأخرى ومنها سورية لم تأخذ بهذا المعيار.

ومن الناحية العملية نجد بعض هؤلاء الشيوخ ممن يكرر الحادثة أو الحكاية مرة أو اثنتين أو ثلاثة دون أن يدري فهل نتهمهم بالخرف؟!

ولذلك سنعرج على تعريف الخرف من الناحية الطبية فنقول:

إن الخرف عبارة عن لطخات بروتينية تتوضع على قشرة المخ فتعطل عمليات التذكر والحفظ بصورة عامة.

ولدى البعض يكون الأمر في أن الشخص يحفظ الأحداث القريبة وينسى الأحداث القديمة وقد تكون تلك نعمة أو نقمة ولدى البعض الآخر قد يكون الموضوع عكسياً ولن نخوض في هذا الموضوع الطبي، ولكن علم النفس يوضح أن الذاكرة تحتفظ ببعض الكلمات المميزة والهامة أو بالمكان الذي وقعت فيه الحادثة ولكن نادراً ما تحفظ الذاكرة الزمان بصورة دقيقة.

فقد يقول قائل: حدث منذ سنة ونصف السنة ثم يتبين بالأدلة والتواريخ أن المدة أكثر من سنتين وهذا ما يحدث معنا معشر المحامين حين أداء الشهود لإفاداتهم أمام القضاء، فتغفر المحاكم مدة أسبوع أو شهر لأن هذا أمر طبيعي.

والجدير بالذكر أن الأحداث الأخيرة في سورية والحرب الكونية على أراضيها وشعبها والتي استمرت قرابة ست سنوات قد أفرزت تشوهات في الذاكرة وغيرها حتى أن البعض قد ظهر عليه الكبر وانتشرت مقولة: لقد كبرنا ضعف المدة أو حوالي عشر سنوات من شدة الهول والحزن والهم والغم وضياع الفكر وضعف الذاكرة لما مر علينا وعلى جيلنا بصورة عامة.

يبدأ الخرف عادة بعد تجاوز الستين وقد يكون عند النساء بنسبة أعلى من الرجال كما أوضح العلم والإحصائيات.

ومرض الخرف (الشيخوخة أو الزهايمر) اكتشف عام 1906 من قبل عالم ألماني اسمه ألواس الزهايمر وقد قام بتعريف أعراضه وأسبابه وأثبت أنه يزحف إلى المخ شيئاً فشيئاً وقد سمي هذا المرض باسم مكتشفه كما هي العادة.

ويعتقد أن الناس لا يموتون بسبب خطورة مرض الزهايمر بل يموتون بسبب الشيخوخة وبسبب انتشار الأمراض المزمنة الصامتة كارتفاع ضغط الدم والسكر.

وقد مر في مخيلتي مثل عربي قديم يقول: (إذا كنت كذوباً فكن ذكوراً) فمن يحترف الكذب على الناس يجب أن يتذكر ما كذبه عليهم فإذا سأله أحدهم: لم نشاهدك منذ أيام فأين كنت؟  فيرد عليه قائلاً: كنت مسافراً إلى دمشق.

وبعد ساعات يسأله آخر: افتقدناك ولم نشاهدك أين كنت؟! فيرد عليه: كنت مريضاً. ويرد على الثالث بحجة ثالثة مثل: كنت في الرقة أو اللاذقية. فإذا التقى الأول مع الثاني أو الثالث تم اكتشاف كذبه. ولكن هل يمكن أن يقع الإنسان الذي تجاوز سبعة عقود بسبب خرفه ومرض الزهايمر في هذا الفخ؟!

في كل الأحوال فإنني أعتقد جازماً بأن الخرف يؤثر على عطاء الشخص ولذلك أرى ألا يتقدم للترشح للمناصب العامة والتمثيلية والأهلية من تجاوز السابعة والسبعين من العمر فقد تكون مدة الولاية للمستقبل خمس سنوات.

ففي حالة إذا كان المتقدم عمره 80 سنة وبعد مرور خمس سنوات فيصبح عمره 85 عاماً إذا أمد الله في عمره أو قد ينتقل إلى رحمة الله وهذا هو الاحتمال الأكبر.

ومنذ القدم قال الشاعر زهير بن أبى سلمى:

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش           ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم

ومن يتقدم لشغل تلك المناصب يجب أن يكون في حسبانه أن العامة والخاصة سيقولون عنه إنه رجل خرف. ولا يستطيع أن ينكر عليهم ذلك القول.

فمن يضع نفسه مكان شبهة بصورة عامة فلا يلومن إلا نفسه لأن تغيير العادات والتقاليد والأعراف يحتاج إلى عقود وقد يمتد قروناً عدة.

ومن ناحية ثانية، فإن الإنسان منذ القدم يسأم متى بلغ من الكبر عتياً بسبب الهموم أو المرض ويقل عطاؤه حتماً في حال بلوغه الثمانين حولاً ويصبح في حاجة لمساعدة لأنه وصل إلى أرذل العمر.

والجدير بالذكر أن الثمانين حولاً المذكورة أعلاه هي الحول الهجرية وتعادل حوالي ثمانية وسبعين عاماً ميلادية.  وهذا اقتراح ووجهة نظر قد تطابق رأي البعض وقد يعارضها القليل ولله في خلقه شؤون والحمد لله رب العالمين.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
المحامي مصطفى خواتمي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة