زوايا حادة في الشعر العربي

العدد: 
14892
سبت, 2017/03/18

رغم أن شعراء المعلقات طعموا قصائدهم ببذور فلسفية وبعض الحكمة وعلى رأس الهرم منهم لبيد وذلك من خلال توجهاته التي تتسم بمنحى وجودي بشكل أو بآخر ، إلا أن زهير بن أبي سلمى شاعر المعلقات الآخر يقود الدارس إلى التساؤل : ما الذي دفعه إلى اتخاذ موقف حاد رغم ميله إلى الحكمة في معظم شعره ؟ فقد حقق سقطة بحدود مائة وثمانين درجة حينما قال :

ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه

يهدم ، ومن لا يظلم الناس يظلم

والشطر الأول لا غبار عليه ، في حين يأتي الشطر الثاني لينسف كل لوائح القيم . فالإنسان الذي لا يدافع عن كرامته ويتركها عرضة للمعتدين والمسيبين أخلاقياً يودي بنفسه إلى التهلكة ، وهذا حق يتجانس مع كل قوانين العدالة ، لكنما قوله (( ومن لا يظلم الناس يظلم )) يتعارض مع لوائح القيم السماوية والأرضية ، لأنه في توجيهه إلى ظلم الآخرين سيفرض على الآخرين الدفاع عن حقوقهم وحرياتهم ، وأكاد أرى أن قوله هذا ( من لا يظلم الناس يظلم ) يحقق حضوراً مميزاً لدى الغرب السياسي والصهيونية العالمية في توجههم إلى ظلم الأمم والشعوب كافة . وقد يكون زهير متأثراً بالروح القبلية التي كانت تفخر بالبطولات ولو كانت وهماً واعتداء ، وقد يكون قال مقولته جراء انفعال غير معقلن كما فعل المتنبي من بعده حينما قال :

والظلم من شيم النفوس فإن تجد

                                      ذا عفة ، فلعلة لا يظلم

وقد يغفر شاهد التاريخ لسيد الشعراء أبي الطيب المتنبي الذي صاغ الحكمة البشرية شعراً ، ويبرر له مقولته بشكل أو بآخر باعتبار النفوس السيئة أو النفوس الأمارة بالسوء مبرمجة على الظلم ولا تحقق تعففاً إلا حينما لا تقدر على اتباع الهوى ، أما زهير فلا مبرر له على الإطلاق .

وماذا عن رؤية شاعر المهجر إيليا أبو ماضي حينما صدح:

 من لج في ضيمي تركت سماءه

                            تبكي علي بشمسها وهلالها

فقد كان موقفه عربون وعي منطقي لقيم العدالة ، وإيذاناً بروح التمرد على الظلم والإجحاف وضرباً من التأكيد على عدم الرضوخ للظلم والعبودية وإيقاظ البعد الثوري بشكل أو بآخر ...

ولا شك أن الشعر لم ولن يكون في يوم من الأيام حجة على الفكر لكنما أردت الإشارة إلى هذه الزاوية الحادة لدى ثلاثة من شعراء العربية لمحاولة فهم وتعزيز إدراكنا لما نحن فيه على طول امتداد العصر الحديث من ظلمات متراكمة جراء طعنات الغرب السياسي التي لم تتوقف حتى الآن مما يفرض على الإنسان العربي إعادة النظر في تاريخه وفي ما هو فيه في الأزمنة المعاصرة ليحدد موقفه النهائي .. فإما أن يتابع مسيرته الخمولة والمسحوقة تحت سنابك الآخر عبر موت بطيء ومؤكد كالهنود الحمر في أمريكا وإما أن يشحذ الفكر والتوجه إلى بناء هيكلته الاجتماعية وفق معطيات الأمس البعيد وعلى ضوء معطيات العصر للإسهام في حضارة المستقبل .

وعود على بدء فعبر معطيات الأمس البعيد هناك ما يؤكد للبشرية جمعاء أن الإنسان العربي يحمل على كاهله تاريخاً مميزاً بالتحرر ، بدءاً من زينون الرواقي الذي خط الفكر السوري قديماً مؤكداً قدرة الإنسان على الاحتفاظ بحريته في أقسى الظروف لأنه ليس في وسع الظالم السطو على جوانيته وصولاً إلى المد الثوري المعقلن الذي حمله القرآن الذي حقق فتحاً حضارياً للبشرية جمعاء في العصور الوسطى حتى سطعت شمس العرب على القارة الأوروبية وقدمت لها كل أبجديات العلوم الإنسانية والطبيعية لتقيم نهضتها الحالية كما تؤكد المستشرقة الألمانية زغريد هونكه وغيرها من المستشرقين المعقلنين .

ولا أريد الإشارة الآن إلى القول: كفانا اعتزازاً باليرموك والقادسية وأجنادين ونهوند، وإنما أريد القول: علينا الشروع في النقد الذاتي ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً وصولاً إلى النقد البنّاء لأنفسنا ولأعلامنا ، وعدم إضفاء التقديس إلا على ما قدسته الشرائع السماوية .. وسوى ذلك قابل للنقد المعقلن انتهاء بالنقد الحاد لأنفسنا على طول امتداد مطاوي التاريخ وحتى يومنا هذا .

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة