المحلل الثقافي والعسكري

العدد: 
14894
اثنين, 2017/03/20

منذ سنوات يظهر كثير من المثقفين على شاشات التلفزة سواء كانت في الوطن العربي أو باقي أصقاع العالم ومن هؤلاء المثقفين أسماء معروفة باتجاهات سياسية واجتماعية محددة ومنهم غير معروفين وهناك أسماء جديدة على الساحة الإعلامية ظهرت في الساحة نتيجة الأزمة والحرب.

وفي المقابل فمنهم من يحترم نفسه وشعبه ووطنه ومنهم من قبض حفنة دولارات قبل التسجيل أو الحلقة المذاعة والمبثوثة على الهواء وفق متطلبات السوق التجارية.

وبالتالي أصبح عمل المحلل الثقافي والاجتماعي والسياسي والعسكري مهنة يعيش منها برخاء الكثير من المثقفين فيقبضون الأموال ويرغبون في استمرارها لتستمر العطايا لهم من النقود والذهب الرنان.

وفي المقابل لا توجد مراكز أبحاث واستبيان واستطلاع رأي محترمة ذات قيمة ومصداقية سواء كانت تابعة لدور النشر أو الثقافة أو للجامعات والمعاهد المتخصصة أو للأحزاب السياسية المرخصة في البلاد العربية عامة وفي سورية على وجه التخصيص.

وفي قليل من الحالات فإنها تتبع للجمعيات الأهلية والروابط المؤهلة المرخصة بشكل قانوني ولها تاريخ معروف بالثقة والحيادية والاستقلال والأمانة العلمية والحرفية العالية ويفضل من له علاقات إقليمية أو دولية.

فعلى سبيل المثال ظهرت مراكز وشبكات عدة لحقوق الإنسان في سورية بأسماء براقة مختلفة ومراصد وشبكات وجمعيات عربية ليس لها أساس قانوني وليست لها تجربة أو تاريخ في المجتمع.

بينما هناك رابطة للحقوقيين بحلب مرخصة وفق الأصول وفيها فئات من شرائح مختلفة من محامين ـ قضاة ـ مفتشين -أساتذة جامعات ـ عاملين في الدولة والقطاع الخاص وغيرها مما يغني عن تلك المراصد المشبوهة.

ولكن هل مقولة (النقود السيئة تطرد الجيدة من السوق) سارية المفعول في سوق الثقافة العربية؟!

إن أوروبا وأمريكا ومعظم دول العالم تحصل على معلوماتها عن طريق منظمات أهلية أو جمعيات المجتمع المدني غير المرخصة وغير المؤهلة وغير الوطنية وهناك شكوك تحوم حول تبعيتها أصلاً وهي تمول خارجياً من الدول صاحبة المصلحة في توجيه الحوار والمسار والحرب وزرع الفتن الدينية والمذهبية والطائفية ونشر الخراب والإمعان في التدمير. وبالتالي لا يهمها سوى خدمة أهدافها الوضيعة واللاشرعية واللاأخلاقية.

ولا يخفى على أحد عمل قنوات التضليل الإعلامي وسفك الدم السوري المنتشرة إمبراطوريتها الإعلامية السيئة الذكر في الخليج العربي . ونحن نرى أنها موجهة من قبل أجهزة المخابرات الدولية الضالعة في زيادة مآسي المواطن السوري والعربي .

وفي المقابل هل ساهم ترهل ونقص وضعف الكوادر العربية الدينية والاجتماعية والسياسية والعسكرية في ذلك وأدى لسد النقص من قبل هؤلاء أو لوجود أمور أخرى كالإثارة والتشويق الإعلامي والإعلاني؟

ومن ناحية أخرى فهناك ضعف في الإمكانات المادية المرصودة لهذه المشاريع وعادة تختصر هذه الموازنات ويتم التقليل من شأنها، ففي أحد الأجنحة الإقليمية رأيت / ستانداً / لا يتجاوز حجم براكة خشبية أو حديدية 1،5×2 م يمثل دولة معروفة وقد عرضت فيه مسبحة وسجادة ودلة قهوة وبضعة كتب وعصا خشبية.

ونحن نؤكد هنا على أن لكل عمل أو مشروع ثقافي أو صحي أو عسكري موازنة تقديرية تصرف عليها وفق أهداف مدروسة ومرسومة بشكل تفصيلي مع مدد محددة وليس الموضوع عبثياً بحيث يكون قليل الأهمية ومجرد كلام مرسل وسوء تنظير ودراسة سطحية كيفما اتفق.

إن غزو العقول والتحريض على الفتنة وهدم القيم والرموز الدينية والسياسة والعسكرية في البلد هي من أهم تلك الأهداف إضافة إلى تهديم المثل الجميلة في الوطن وأهم تلك المثل: العلم والنشيد الوطني والدستور والقيادة، فقام البعض من المغرر بهم باستبدال العلم وتشويه النشيد والمطالبة بإلغاء الدستور الحالي وكتابة دستور جديد يوافق أهواءهم بحجج واهية لا سند لها في القانون.

وإن كانت ظاهرة الشعارات (الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الأقليات) وغيرها من الشعارات البراقة توحي بشيء من الديمقراطية ولكن تبين أن من يطالب بها أصلاً غير مقتنع بها ومن ناحية ثانية فهي موجودة في المجتمع ولكن ليس على قياسهم.

وبعد أن ظهرت عورات ما يسمى بـ (الربيع العربي) فقد لجأ البعض إلى ورقة التوت لإخفاء عورة هذا الربيع المشؤوم وما جره على الأوطان والدول والشعوب من ويلات ومآس وكوارث قدرت بمليارات الدولارات وتحتاج لسنوات عدة لإعادة الحال إلى ما كان عليه سابقاً إضافة إلى تأجيل قضية فلسطين إلى أجل غير مسمى والارتماء في أحضان الدول العميلة والمناهضة للدول العربية.

ومن ناحية أخرى، يتعسر إقناع المهاجرين بتغيير العقول والأفكار وخاصة من قبل المحللين السياسيين والعسكريين الذين ما انفكوا يتابعون ذات السيرة السابقة ولو بكلمات مختلفة وهم يتلونون مثل الحرباء وفقاً للأجواء المناخية وطبيعة الأرض التي ينفثون السموم فيها.

إن تعقيد الأمور زاد هامش الضبابية كما إن موازاة صعود الإعلام الوطني وتطوره وهو الحامل الأساسي في العملية سيقوم بتجديد الخطاب بشكل متواتر ولكن لا توجد عصا سحرية في هذا المجال.

فالتجريب المستمر والمراقبة الدائمة والفكر الوطني الساهر على حماية مصالح الوطن هي الدعامات الفكرية لطرد هؤلاء المثقفين المتعفنين دون أن يكون لموضوع أن شخصاً مرتبطاً بوسيلة إعلان محلية خاصة كانت أو رسمية أي دور في هذا المقام. إضافة إلى موضوع زيادة التعويض المادي للمستكتبين فليس من الضروري أن يكون الكاتب الصحفي ضمن الملاك أو من المستكتب خارج الملاك العددي فقيراً لا مورد له سوى وظيفته وأن يبقى الموضوع مجرد شعارات وغير ذلك من الكلام الذي لا يغني ولا يسمن من جوع.

هناك سيطرة للغرب والصهاينة على المؤسسات الإعلامية الضخمة على مستوى العالم منذ الحرب العالمية الثانية وحتى تاريخه وقد مضى على ذلك سبعة قرون وكان ذلك عن طريق الإعلام المسموع والمقروء وتطور إلى الإعلام المرئي والمواقع الإلكترونية، فلا يمكن والحالة تلك محاربتها بسنوات معدودة على أصابع اليد الواحدة.

وهنا لا بد من ذكر الألقاب الرنانة والطنانة للعملاء مثل: محلل سياسي كبير ـ محلل استراتيجي عربي ـ محلل عسكري دولي....إلخ سواء كانوا يستحقون هذه الألقاب وهم في الغالب لا يستحقونها .

كما إن مهمة الإعلامي والأديب والكاتب هي التنوير وهذا ما أوضحه عبد الرحمن الكواكبي منذ أكثر من قرن.

وفي الختام لا بد من التأكيد على احترام عقول المتلقين وأن يقوم هؤلاء بالمحاكاة العقلية والمحاكمة الفكرية وتغليب الوطن على المصالح الخاصة الضيقة فلولا وجود البيئة المناسبة لدى المواطن والضغط على معتقداته الدينية والعشائرية وأطماعه الخاصة لما نمت هذه النبتة السيئة في تلك النفوس الضعيفة.

ونسأل الله أن يهدي المثقف العربي في أصقاع الدنيا كلها ليعود إلى بريقه السرمدي على طول الزمان والمكان.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
المحامي مصطفى خواتمي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة