الصالونات الأدبية

العدد: 
14916
ثلاثاء, 2017/04/11

الصالون أو البهو أو القاعة أو الغرفة هو مكان يستضيف فيه شخص بارز أو مهم في المجتمع مجموعة من الناس لصقل الذوق العام وتبادل المعارف والسجالات والمماحكات والحوار على منوال الصالونات الأدبية والفلسفية والفكرية في القرنين السابع عشر والثامن عشر في أوروبا.

ومن الناحية التاريخية فقد كانت البداية في أوروبا في المقاهي واشتهر بذلك مقهى بروكوب حيث جاء فرنسوا بروكوب من مدينة فلورنسا الإيطالية وكان يعمل بائعاً لعصير الليمون وحصل على تصريح ملكي بافتتاح مقهى أدبي وقد اشتهر على مستوى العالم بسبب قربه من المسرح الفرنسي (كوميدي فرانسيس) في شارع عرف لاحقاً باسم: سان جيرمان.

وكان كتاب المسرح والموسيقيون يجتمعون فيه وقد لعب مقهى بروكوب دوراً هاماً في الثورة الفرنسية 1789م والجدير بالذكر أن المقاهي سابقاً كانت تنافس المسرح فكان يقدم فيها الغناء والرقصات والمنولوجات والمسرحيات القصيرة.

وكان تقدم هذه الفقرات في الهواء الطلق في الربيع والصيف كما هو الأمر في تياترو الأزبكية والصحراء والمسارح الأربعة في الشهبندر وذلك في مدينة حلب منذ بداية القرن العشرين وحتى ربعه الأخير حيث انتشر التلفزيون في البيوت وانتهى دور تلك المقاهي والمسارح وتلك الأيام الماضية الجميلة التي تعبق بالفن الراقي والجمال والذكريات.

علماً أن جميع تلك المقاهي والمسارح التي ذكرناها والتي انتشرت على ضفاف نهر قويق كانت بساتين تفوح منها رائحة الورود والرياحين والياسمين وهي ملك وزارة الأوقاف.

وما دفعنا إلى كتابة هذا المقال هو ظهور عدة منابر للحوار جراء الحرب الكونية على سورية حيث تنادى البعض إلى تأسيس صالونات أدبية في البلاد تكون أقرب إلى الحوارات الوطنية الهادفة وإلى مراكز المصالحة الوطنية العلنية التي ترفد بصيغة ما أعمال وزارة المصالحة وتكون أقرب إلى ورشات العمل المتممة لعمل وزارة الثقافة بدلاً من المحاضرات والندوات والمؤتمرات الرسمية .

ومن ناحية ثانية فهي رد على غزو صفحات التواصل الاجتماعي لمجتمعاتنا العربية.

إن الظروف الأمنية والحروب التي تمر بها المنطقة العربية أدت إلى تفكك الأسرة الواحدة بالسفر والهجرة وأصبح أفراد الأسرة الواحدة يجلسون طويلاً في بيوتهم وينشغلون بوسائل التواصل الاجتماعي. وفي الحقيقة لكل زمن أسلوبه الخاص فيطغى فترة ويخبو فترة أخرى ولكن يجب عدم إلغاؤه نهائياً فنحن لا نريد ثقافة الإلغاء للآخر.

ودائماً نعود للتاريخ لنستخلص منه العبر فقد نشأ في حلب صالون أدبي لمريانا مراش (1848-1919) وكان والدها فتح الله مراش من المتنورين وأخوتها فرنسيس مراش (1836-1873) وعبد الله مراش (1839-1900) وهما من الأدباء المعروفين.

إذن فهي من عائله أدبية راقية وكان والدها يهتم بالعلم واقتناء الكتب فقد كتب في مواضيع مختلفة لكنها لم تطبع وكان شقيقاها فرنسيس وعبد الله من أركان النهضة الأدبية التي حدثت في سورية وقد سارت مريانا على منوال أخويها فدرست اللغة العربية وتعلمت الفرنسية في مدرسة للراهبات (المدرسة الإنجيلية في بيروت) كما درست الموسيقا.

 وما إن اكتملت ثقافتها الأدبية حتى أخذت تنشر في الصحف والمجلات فكتبت في جريدة لسان الحال وفي مجلة الجنان مقالات تنتقد فيها بنات عصرها وتحضهن على التزين بالعلم.

وفي مقالتها (جنون القلم) نقدت انحطاط الكتابة وحرضت على تحسين الإنشاء وترقية المواضيع التي تعالج مشاكل المجتمع المختلفة، كما دعت بنات جنسها إلى أن يكن فاعلات في المجتمع في زمن مبكر حيث كانت الدعوة لذلك عام 1870م وبذلك تكون مريانا أول سيدة عربية تكتب في الصحف مقالات متنوعة.

سافرت مريانا إلى أوروبا لتستطلع أحوالها وأخبار نهضتها حيث كانت المرأة تتعلم إلى جانب الرجل وبعد زواجها افتتحت صالونها الأدبي الذي يعتبر أول صالون أدبي في المشرق العربي بمفهومه الحديث .

وتعتبر مريانا مراش أول صحفية عربية وصاحبة أول مركز أدبي تقيمه سيدة عربية ولم يخرج شعرها عن قواعد عصر تلك الفترة بل كان أكثر عذوبة من غيره.

وقد وصف الناقد والأديب الحلبي (قسطاكي حمصي) الشاعرة بقوله: كانت مريانا مراش رقراقة الشمائل، عذبة المنطق، طيبة الشعر.

ووصفها سامي الكيالي صاحب مجلة الحديث بقوله: عاشت مريانا حياتها في جو من النعم والألم، عاشت مع الأدباء والشعراء ورجال الفن وقرأت ما كتبه الأدباء الفرنسيون وأدباء العرب فتكونت لديها ثقافة تجمع بين القديم والحديث.

ونبقى في الصالونات الأدبية لبنات الشام التي تنافس مصر وباقي البلاد العربية في هذا المقام.

ونضرب مثالاً على ذلك: الأديبة مي زيادة التي ولدت في مدينة الناصرة بفلسطين المحتلة عام 1886م ووالدها إلياس زخور زيادة من شحتول التابعة لقضاء أهدن شمال لبنان أما والدتها فهي نزهة معمر فلسطينية الأصل.

بدأت دراستها في الناصرة عام 1892 وفي عام 1897 انتقلت إلى لبنان وتابعت دراستها في مدرسة راهبات الزيارة في عينطورة، وأتقنت العربية واللاتينية والفرنسية والإنكليزية وألمت بالإيطالية والألمانية والإسبانية. ثم انتقلت عام 1908 إلى مصر وفي عام 1913 كانت مراسلاتها الشهيرة مع جبران خليل جبران.

وفي عام 1915 استقر وضع صالون مي زيادة وهو بيت القصيد حيث كانت تعقد ندوتها الأسبوعية يوم الثلاثاء من كل أسبوع بشكل دائم. وكان من رواد صالونها الأدباء : عباس محمود العقاد ويكن الجميّل وخليل مطران وشبلي الشميّل وأحمد زكي باشا وسليمان البستاني وعميد الأدب العربي طه حسين وأمير الشعراء أحمد شوقي ويعقوب صروف وشاعر النيل حافظ إبراهيم وهدى شعراوي وقد خلد الشاعر إسماعيل صبري هذا الصالون بقوله:

روحي على بعض الحي حائمة        كظامئ الطير تواقاً إلى الماء

إن لم أمتع بمي ناظري غداً            لا كان صبحك يا يوم الثلاثاء

وفي عام 1916 التحقت مجدداً بالجامعة وكتبت المقالات والدراسات في الصحف المصرية المختلفة.

ومن أهم آثارها: المساواة ـ الصحائف ـ كلمات وإشارات - سوانح فتاة ـ باحثة البادية ـ ظلمات وأشعة.

وقد جرى احتفال بوضع نصب تذكاري لها في ساحة جامعة السيدة لويزة بتاريخ 14/4/2010 تقديراً لأعمالها وبمناسبة مرور مئة سنة على أول إصداراتها الأدبية وعلى افتتاح صالونها الأدبي الذي يعتبر حجر الزاوية في عمارة الأدب النسوي العربي وأحد أبرز ركائز الإبداع الفني والتحرر الفكري في لبنان والبلاد العربية.

 وبعد هذه الجولة في القرن الماضي نخلص إلى التوصيات التالية:

1ـ نتمنى من المقاهي الكثيرة التي أحدثت في حلب مؤخراً أن يكون بعضها ذا طابع أدبي وفكري ويتضمن مكتبة صغيرة ففي بعض الدول توجد مكتبة في مواقف القطارات حتى لا يكون الانتظار بدون فائدة وفي دول أخرى تجد في وسائط النقل بين المدن كتاباً أو جريدة للقراءة في حقيبة المقعد ونحن أولى منهم بذلك لأننا أمة إقرأ.

2ـ أن يكون الحوار راقياً في الندوات العامة فأحد أسباب الأزمة في سورية عدم وجود حوار راق بين أفراد المجتمع حيث يلجأ البعض إلى الضرب والقتل والتكفير والتدمير وإن التوافق الفكري بين أفراد المجتمع هو الذي يؤدي إلى العقد الاجتماعي المتمثل في صياغة دستور تتم مناقشته مجتمعياً.

3ـ إحداث مقاه متخصصة بالأدب أو الشعر أو المسرح وبذلك تسد النقص الحاصل في الجمعيات الأدبية أو الفنية أو التاريخية أو الحقوقية أو البيئية.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
المحامي مصطفى خواتمي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة