حلب الشرقية وعودة الحياة

العدد: 
14917
أربعاء, 2017/04/12

بعد تهجير أربع سنوات ونيف ، خالجني شعور ممزوج بالفرح حينا وبالخوف والقلق أحيانا أخرى ، رسمت تصورات عديدة في مخيلتي عن هيئة بيتي كيف أصبحت بعد ذلك الغياب الطويل ، ترى هل سأجد منه بقايا ركام أم سأجد شيئاً من ذكرياتي وصوري القديمة .؟ أم سأجد أشياء أخرى . ؟

تساؤلات عديدة تراودني وقد قادتني قدماي الى ذلك الحي ، حي الميسر ، حيث يقع بيتي المتواضع وحيث قضيت وأسرتي أجمل أيام حياتي .

شعرت بطول الطريق رغم قصره ، لكن قدماي لم تملا والتهمتا الطريق دون كلل ، وكلما اقتربت من المكان ازداد شعوري بالقلق وقد رحت أتفحص ما حولي من أبنية ومدارس ومرافق حكومية وشوارع وارصفة وأسواق شعبية وقد تحولت الى بقايا ركام وأنقاض بفعل المجموعات الإرهابية المجرمة .

رحت ابحث عن عنواني بين الركام ، أضعت الطريق والعنوان ، لم تعد البيوت كما كانت ، الكل مشوه ، محطم ، ومجهول المعالم ، اقتربت من تجمع المدارس التي أجاورها ، تعرفت على بقايا منها ، لم تعد مدارس ، جدران محطمة وبضعة اسقف ملئت بشعارات فارغة خادعة ، خطر ببالي كيف كانت تضج بالحركة ، وكيف دخلت أول مرة إليها لأسجل بها أولادي حيث درسوا فيها ما يقارب الأربع سنوات .

وانا أمر بين الركام وقد سدت الشوارع بالمتاريس والدشم والباصات المكسرة التي كان يختبئ بها الارهابيون كالجرذان رحت أبحث عن وجوه البشر علني أتعرف على أحد من جيراني القدامى أستأنس به ، شاهدت في طريقي عدداً من شاحنات الإسكان العسكري وبعض الآليات التي شرعت بإزالة الأنقاض وفتح الشوارع المغلقة تمهيدا لمرور المركبات وباصات النقل الداخلي والأهالي ، هناك أعداد قليلة من المحلات قد فتحت أبوابها بعد أن قام أصحابها بترميمها على عجل ، وكذلك بعض المنازل والأبنية ، هناك رجل وطفل ، ومرت بجانبي امرأة تحمل بعض الأغراض المنزلية ، وشاهدت آخرين وقد تسلقوا الجدران وبدأوا بترميمها .

الحقيقة تلك المناظر الجميلة بعثت في روحي الأمل وقد شعرت أن هذا الحي بدأت تدب فيه الحياة شيئا بعد شيء وبدأت الروح تسري في هذا الحي بأهله وناسه .

وقفت تحت ذلك البناء ، يشبه البناء الذي كنت أسكنه ، نظرت حولي لأتأكد من المعالم ، هذه بقايا جامع أبو بكر الصديق ، وذلك المخبز الذي طالما كان مزدحما ، شعرت برائحة الخبز تنبعث من بين أحجاره ، تأكدت من ذلك البناء هو نفسه وذاك بيتي في الطابق الأول لم يتضرر الا بشيء بسيط ، تفاءلت بسهولة إعادة اعماره ، سمعت صوت أطفال بالطابق الرابع ، صرخت مناديا ، خرج الي جاري من الشرفة وقد تفاجأ بعودتي فتح لي باب البناء الذي كان مقفلا بإحكام ، تصافحنا بحرارة وبكينا واستذكرنا الأيام الخالية ، صعدت معه الى بيتي ، كان خاويا من كل شيء إلا من بقايا ركام الجبس وبعض الأثاث المكسر ، سألته عن الجيران القدامى ، منهم من رآه عن قريب ومنهم من توفى من سنوات ومنهم من هاجر الى خارج القطر .

المهم عادت بي الروح وقد طلبت من جاري أن يؤمن لي نجاراً وعاملاً لترميم البيت لأعود اليه بأقصر وقت ، وقلت له مودعا : طالما أنت موجود وانا موجود والكثير من أبناء الحي باتوا يعودون شيئا فشيئا فستعود الحياة الى هذا الحي فإرادة الحياة تغلب اليأس وتبعث الأمل .

حلب
الكاتب: 
حميدي هلال

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة