من النضال المقدس إلى الجلاء 1/2

العدد: 
14921
أحد, 2017/04/16

شكل جلاء قوات الاحتلال الفرنسي انتصاراً حاسماً لنضال الشعب العربي السوري ضد أشكال الاحتلال والاستعمار المتعاقب الذي استمر مئات السنوات. بحيث أثمرت تضحياته الكبيرة ونضاله المستمر، فوصل إلى نيل حريته التي ضحى من أجلها بكل غالٍ ونفيس، فاستحق بذلك أن يعيش حريته وشموخه بين الأمم.

إن جلاء القوات الأجنبية عن أرض سورية في السابع عشر من نيسان عام 1946، أصبح عيداً للجلاء، وهو في نفس الوقت عيد الاستقلال الوطني لسورية، وذكرى لتحرر التراب السوري من سلطة الاحتلال الغاشمة.

وفي كل سنة، ومع إطلالة الربيع ونيسان الباسم بالمجد، يستذكر السوريون كباراً وصغاراً يوم استعادوا حريتهم، ويشحذون هممهم لتحرير آخر شبر بقي من أرض الوطن المحتلة في الجولان الحبيب، وإعادة الوحدة لسورية الحبيبة في هذه الأزمة التي تعيشها اليوم.

أدى تمزق الدولة العباسية وتقسيمها  بين أمراء الجيوش والعائلات السياسية إلى وقوع سورية تحت سلطة المماليك، وقد جاء ذلك بعد هزيمة المغول على يد السلطان قطز والظاهر بيبرس، حيث  خضعت دمشق لسلطتهم التي استمرت حتى مجيء العثمانيين الأتراك بقيادة السلطان سليم الأول عام 1516م، الذي هزم المماليك في معركة مرج دابق وأنهى سلطتهم على بلاد الشام.

كان ذلك مقدمة لأربعمئة سنة من السيطرة العثمانية، أصبحت فيها سورية جزءاً من التقسيم الإداري للإمبراطورية العثمانية، وقد شهدت هذه الفترة التاريخية الطويلة ركوداً في مختلف فعاليات المجتمع العربي، الذي ران عليه ثقل الاحتلال، مما أدى إلى تراجع تطوره في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

لكن الشعوب العربية ضاقت ذرعاً بالعثمانيين وجرائمهم، ووجدت الفرصة أمامها سانحة مع ترنح الإمبراطورية العثمانية بمفاعيل الحرب العالمية الأولى وهزيمتها أمام الحلفاء، وتقدمت فرنسا وبريطانيا لتقاسم مناطق النفوذ من تركة الرجل المريض. ثم كانت جرائم جمال باشا السفاح في حق شهداء 6 أيار وسرعان ما اندلعت نيران الثورة العربية الكبرى أملاً في تحقيق طموح الشعوب العربية في أن ترى شمس الحرية تشرق من جديد وتسطع على سماء دولة عربية موحدة .

إلا أن الدول الاستعمارية الكبرى التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الأولى كان لديها مخططات أخرى، إذ أن اتفاقية سايكس بيكو التي تقسم بلاد الشام الطبيعية إلى مناطق تابعة للاستعمارين الفرنسي والبريطاني كانت قد أخذت طريقها إلى التنفيذ، وكانت تجزئة سورية إلى مناطق خاضعة للقوات الفرنسية وأخرى للقوات البريطانية تمهيداً لاحتلالها أمراً قائماً بالفعل، إذ كانت القوات البريطانية متواجدة في فلسطين والأردن والعراق، فيما نزلت القوات الفرنسية إلى الساحل السوري واستولت عليه. وفي خلفية هذه الأحداث كان وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود، يشير إلى بدء استعمار جديد على الأرض العربية، لكنه هذه المرة من النوع الاستيطاني الذي يؤسس لطرد العرب من أوطانهم وبلادهم، وإحلال شعب جديد محلهم.

لم يطل الوقت حتى أدرك الشعب العربي في سورية كذب الوعود الاستعمارية، إذ كانت طلائع القوات الفرنسية قد أخذت تحتل مواقع حساسة في الشريط الساحلي منذ مطلع تشرين الثاني 1918 وأخذت تتوسع باتجاه الشرق والشمال وتقضي على الحكومات المحلية التي قامت في تلك المناطق باسم الحكومة العربية في دمشق. وجاء التحدي للاحتلال الفرنسي من المناطق الريفية في الساحل السوري الشمالي والمناطق الشمالية الغربية من سورية على شكل موجة من الثورات المشتعلة. وبرزت ثورتان: الأولى بقيادة الشيخ صالح العلي شملت كل أنحاء المنطقة الساحلية،

أما الثورة الثانية فقد كانت بقيادة إبراهيم هنانو وشملت المنطقة الشمالية الغربية بين حارم وكفر تخاريم وإدلب وجبل الزاوية وجسر الشغور جنوباً و معرة النعمان وأطراف حماة.

لم تتوقف تلك الثورات باستيلاء الفرنسيين في تموز عام 1920 على جميع المدن الداخلية وعلى قسم كبير من البلاد بل ظلت مشتعلة خلال السنة الأولى من الاحتلال الفرنسي، ولم تتم السيطرة الفرنسية عل المناطق الثائرة في صيف 1921 إلا باستخدام القوة والإجرام.

وفي مؤتمر سان ريمو للدول الاستعمارية والذي انعقد بتاريخ 25 نيسان من عام 1920 جاءت مقرراته على الشكل التالي:

1- وضع سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي. 2- وضع العراق تحت الانتداب الإنكليزي.3- وضع فلسطين وشرقي الأردن تحت الانتداب الإنكليزي مع الالتزام بتنفيذ وعد بلفور.

سارعت القوات الفرنسية إلى التحرك لقطع الطريق على أي إنجاز وطني يرسخ استقلال الدولة السورية الوليدة، وفي 14 تموز عام 1920 أصدر الجنرال غورو إنذاره الشهير الذي طالب بتسليم محطة رياق للسكة الحديدية للسلطة العسكرية الفرنسية وإلغاء التجنيد الإجباري وتسريح الجيش وقبول الانتداب الفرنسي بدون شروط.

احتج غورو على تأخر كتاب الموافقة لمدة نصف ساعة، وبدأ بالزحف على دمشق، حيث اصطدم بالجيش السوري الفتي الذي كان يقوده البطل يوسف العظمة في ميسلون في 24 تموز 1920، ودارت معركة غير متكافئة لعدة ساعات انتهت بالقضاء على المدافعين ومنهم يوسف العظمة. وفي اليوم التالي دخلت القوات الفرنسية دمشق ومنها إلى باقي الأراضي السورية . وأجبر الملك فيصل على مغادرة البلاد، وتم تقسيم سورية إلى عدة دويلات، وفي 31 آب من نفس العام صدر قرار إنشاء دولة لبنان الكبير، وتم إنزال العلم العربي في دمشق وبيروت وحل محله أعلام الاحتلال الفرنسي.

في سنة 1922 اندلعت ثورة سلطان باشا الأطرش في جبل العرب، حيث قامت السلطات الفرنسية باعتقال المناضل أدهم خنجر بتاريخ 17 تموز 1922 في دار سلطان باشا الأطرش وكان غائباً عنه، واندلعت على إثر ذلك معارك دامية مع القوات الفرنسية استخدمت فيها الطائرات وحقق الثوار فيها انتصارات مذهلة.

وقد توقفت الثورة مؤقتاً عام 1923 بعد أن أصدرت السلطات الفرنسية عفواً عن قائدها (سلطان باشا)، إلا أن التدابير الوحشية التي اتخذتها سلطات الاحتلال ضد أبناء شعبنا على امتداد الوطن أثارت الثورة من جديد، وكانت الشرارة مرة أخرى من جبل العرب، وإشارة بدء انطلاق الثورة السورية الكبرى عام 1925.

عندما أرسلت السلطات الفرنسية حملة من دمشق على رأسها الجنرال ميشو لتأديب الثوار، تصدى لها رجال الثورة في معركة المزرعة الشهيرة في الثاني والثالث من شهر آب عام 1925، وقاموا بتشتيت الحملة، وعندها استخدمت قوات الاحتلال الفرنسي كل قواها مستخدمة الطائرات والمدرعات حيث قصفت 80 قرية في محافظة السويداء من أصل 100 وإثر ذلك انضمت القبائل العربية المتواجدة في بادية درعا والسويداء إلى رجال الثورة، كما أعلن حزب الشعب السوري بقيادة  المناضلين الوطنيين عبد الرحمن الشهبندر ونسيب البكري تأسيس الحكومة الوطنية ومركزها السويداء. وصدر بيان الثورة السورية بتوقيع سلطان باشا الأطرش وإثر هذا البيان التحقت أحياء الشاغور والميدان في دمشق بالثورة التي امتد لهيبها إلى بساتين الغوطة ورياضها، وامتد أوار الثورة إلى جميع أنحاء دمشق وجبل العرب وجنوب سورية، حيث توالت المعارك الضارية بين مجاهدي الثورة والقوات الفرنسية التي استعملت سياسة الأرض المحروقة في قتالها ضد الثوار فهدمت البيوت وأحرقت الأراضي الزراعية.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة