بيتهوفن والأنوثة الخالدة

العدد: 
14924
أربعاء, 2017/04/19

رغم كل العوائق الانتمائية يمكن للحب اختراق قلبين غير متجانسين قومياً أو عقائدياً أو اقتصادياً لأن كلاً منهما خلق من أجل الآخر فالمرأة تبقى مزهوة بغرورها ما دامت مطاردة من قبل رجل يمتلك تميزاً لا يحظى به الآخرون ولأنها في لحظات الحب الجارف لا تنتمي إلى الطبيعة بقدر ما تنتمي إلى وجود أسمى.

هذا ما كنت أحدّث به نفسي حينما كنت أقرأ ما كتبه المؤرخون والأدباء عن الحياة العاطفية للموسيقار الألماني بيتهوفن ، وهذا ما يفصح عن عذاباته وتجلياته العبقرية شأنه في ذلك شأن معظم عباقرة البشرية الذين تتقلب عليهم صروف الدهر وتجابههم المحن فيتجرعونها كالماء والهواء إلى درجة يتزاوجون فيها مع الألم فيصبح جزءاً منهم كالحلاج وأبي العلاء المعري وأبي حيان التوحيدي وسورين كيكفارد وآرثر شوبنهاور وتولستوي . وقد كان الموسيقار العالمي بيتهوفن واحداً من هؤلاء الذين استمرؤوا المعاناة إلى حد التماثل والتجانس.

ولد في مدينة بون الجميلة 1778 وقد ظهرت مواهبه الموسيقية باكراً مما أدى إلى رحيله إلى فيينا عاصمة الفنون لاستكمال دراسته وامتازت ألحانه بالتفاؤل والثقة بالنفس والإصرار على استبدال ظروف حياته بما هو أفضل كما أن تجاربه مع الآلام التي عاناهما طبعت موسيقاه بالقوة والصمود فكان الألم بالنسبة إلى إنجازه الإبداعي بمثابة الينبوع الذاتي الذي ينضح من غزارته الإلهام الراشح حباً عبقرياً. ولعل ذلك الدفق المتوهج الذي يتمتع به هو الذي دفع الموسيقار هايدن إلى أن يقول عنه (إن بين مئات السيمفونيات التي كتبت بما في ذلك التي وضعتها أنا، لم أجد سيمفونية واحدة تستطيع أن تقف منافساً لأعمال لودفينغ فان بيتهوفن وسيمفونياته التسع) .

ولكن ماذا عن بيتهوفن وأبجدية الحب؟

وقع بيتهوفن في حب زاخر إثر آخر حتى رحيله عام 1827 ولم يتزوج أبداً وهذا لا يعني أنه ضد الاستقرار والتعايش الزوجي وإنما لم تسمح له ظروفه الحياتية بالارتباط بواحدة من عشيقاته ولطالما أهدى هذه القطعة الموسيقية أو تلك لهذه الحبيبة أو غيرها ولطالما خط لهن رسائل ملتهبة شوقاً وصبابة إلى درجة ألقى فيها على بعضهن طابع الخلود بيد أن حظه العاثر لم يكتب له استخلاص واحدة منهن لتكون رفيقة دربه كما تفيد مسيرة الأحداث حيث أنه لم يتم له الوصال مع إحداهن على الإطلاق.

وهذا لا يعني أنه كان سيئ الحظ في الحب بل يعني أن الهوى من إبداع الروح رغم أنه من مستلزمات الجسد ويعني أيضاً أن إخضاع الهوى إلى العقل كان واحداً من الحصون التي جابهته في كل أو معظم متاهات الحب وبروجه المرصعة بالضياء. فمنطق العقل يقول: كلما ازدادت معرفتنا بتفرد الأشياء تنامت معرفتنا بتفرد الله وبما أن عواطف العشق نشوى فهي تسوق المحب إلى العروج الروحي المتناوب بهدف الوصول إلى الحضور الكامل والتواصل اللانهائي جسداً وروحاً بين المحب المحبوب .. بيد أن هذا لم يحققه الموسيقار الملهم إلا بالإيقاع المحسوس. وهذا مجرد رأي أو افتراض قابل للطعن .. لكنه محتمل ..

وكما أن معظم العباقرة قد يتهاون في حب تلميذاتهم، كذلك كان الأمر بالنسبة إلى بيتهوفن. فقد كتب يصف لقاءه الأول بإحدى تلميذاته التي ترنح فيها حباً وصبابة (أعجبني حديثها، وأعجبني ذكاؤها .. لكنها ليست لي .. إنها فتاة جميلة وأنا أعشق الجمال، ولكنني أخافه .. لأنني أخاف عليه من عشاق الجمال غيري). والجمال من الصفات الإلهية السامية، ومن يخافهم بيتهوفن يترامون على الجمال الأرضي الذي يرتكز على التغير الدائم، وهذا ما لا يحبه ولا يخافه ولا يخاف عليه لأنه الباحث أبداً عن الجمال المطلق الذي لم يستمسك به أبداً لا هو ولا سواه.  ولو كان من هواة هذا الجمال الأرضي لأقام علاقة وطيدة عن طريق الزواج أو خارج دوائر التعايش الأسروي، ولهذا كان يتطلع إلى جمال أنثوي غير قابل للتأثر بهذا أو ذاك أو التمايل مع هذا أو ذاك من بني الإنسان .. وأرجو ألا أكون مخطئاً ..فهذا ما تقوله ألحانه وسيمفونياته .

وما أريد الإفصاح عنه، أننا لو وضعنا رسالته الآنفة الذكر تحت مجهر التحليل النفسي لاكتشفنا أسباب إخفاقه في الوصال .. إنها عقدة الانبهار بالجمال المطلق. ولأن الانبهار بالجمال المطلق على حافة المستحيل، فقد كان يخيل إلى فتاته أنه على تخوف، والأنثى لا تحب كل خواف، وإذا ما سقطت في حب خواف فإنها سريعاً ما تركل هذا الحب بقدميها.

وهذا ما يفسر انهيار الأنوثة أمام من يصطادونها بجرأتهم ... لكن هذا الحب لا يمتلك الاستمرار والاستقرار .. وهذا ما يفسر إخفاق معظم التجارب العاطفية في مطاوي التاريخ وحتى يومنا هذا .

وحينما وصل إلى سن الأربعين ساق القدر إلى طريقه شابة أحلى من الورد وأجمل من العطور .. إنها الآنسة تيريز فاني التي كانت هادئة كالنسيم كما وصفها في رسائله، إلا أن علاقتهما لم تتجاوز الصداقة الحميمية بين أستاذ وتلميذته على صعيد التعامل الحياتي، في حين أنهما كانا يمارسان حباً جوانياً غير قادر على الإفصاح عن التمازج العذب بين الأنوثة والذكورة، فقد وجد على طاولته خطاب إلى تيريز يقول: (إلى معبودتي .. إلى حبي الذي لن يموت أبداً .. اصفحي عني واذكريني .. اذكري أنني أحبك، وأتمنى لو أنك شاركتني ما تبقى لي من أيام أعيشها على هذه الأرض). ولم تصلها رسالته مع أنهما على تواصل وجداني منذ زمن بعيد ..

وعاش بيتهوفن بعد حبه الكبير لتيريز 17عاماً، لكنما خوفه اللامحدود من الجمال الأنثوي وقف حائلاً بينه وبين اللواتي ذاب فيهن حباً وصبابة.

بيد أن هنالك إشكالية كبرى في التجارب العاطفية للموسيقار العظيم أشار إليها فريق ممن انكبوا على دراسة تاريخه الشخصي، قوامها أنه كان يختار عشيقاته من الطبقة الأرستقراطية، مما كان يولد صعوبات لميلاد الحب وترعرعه لكلا الجانبين، لكنما في حدود رؤيتي المتواضعة فإن هذا سبب يمكن اختراقه، لأن الحب يمتلك الإمكانات التي تؤهله إلى تجاوز الصعوبات وتحطيم الحصون أحياناً. وإنما الإشكال في قناعاتي أنه كان يسقط في حب سيدات متزوجات وبأعداد كبيرة وهذا مؤشر سلبي لأنني على وئام مع قناعة فحواها بأن كل من يعشق سيدة متزوجة هو سارق، فالسطو على المتزوجات باسم الحب خروج عن لوائح القيم، وهذا ما كان يلعب دوراً سلبياً في حياته وحياة عشيقاته، لأنه فنان أخلاقي. فالحب أصالة وصفاء ونقاء وتمجيد لإنسانية الإنسان. ذلكم هو الحب القدسي، وذلكم هو موسيقار الغرب الأول على طول امتداد الزمان وحتى يومنا هذا ...

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة