من النضال المقدس إلى الجلاء 2/2

العدد: 
14925
خميس, 2017/04/20

لم يشكل توقف الثورات المسلحة عام 1927 نهايةً لنضال الشعب السوري في سبيل الحرية، بل تابع نضاله السياسي من أجل الاستقلال، واتخذ هذا النضال الطابع الفكري والجماهيري، من حيث تشكيل الأحزاب والجمعيات السياسية، واستمرار المظاهرات والإضرابات الداعية إلى رحيل المستعمر والحصول على الاستقلال الناجز والكامل، فتشكلت الجمعية التأسيسية التي افتتحت أولى جلساتها في 9 حزيران من عام 1928 وترأسها هاشم الأتاسي، وقامت الجمعية التأسيسية باقتراح الدستور الذي صاغته لجنة يرأسها المناضل الوطني إبراهيم هنانو، وتألف الدستور من 115 مادة، أبرزها تلك التي تعتبر أن سورية دولة واحدة غير قابلة للتجزئة وأن نظام الحكم جمهوري برلماني، ورفضت فرنسا تلك البنود وساومت على إلغائها، فيما رفضت الجمعية التأسيسية إلغاء أي منها، مما دفع بسلطات الاحتلال إلى تعطيل الجمعية.

وصل النضال الجماهيري لدى الشعب العربي السوري إلى ذروته في عام 1936 إثر مهاجمة الشرطة التابعة للاحتلال لمقر حزب الكتلة الوطنية في حلب بعد ذكرى الأربعين لوفاة المناضل الوطني إبراهيم هنانو. فاجتاحت المظاهرات الشوارع والساحات وأعلن الإضراب في كافة المدن السورية والذي دام ستين يوماً، وعرف بالإضراب الستيني الشهير.

بعد مفاوضات استمرت ستة شهور، توصل الوفد السوري المفاوض (الذي ترأسه الزعيمان هاشم الأتاسي وفارس الخوري) مع الحكومة الفرنسية في باريس في التاسع من أيلول عام 1936 إلى عقد المعاهدة المعروفة بمعاهدة عام 1936، وقد استقبل الوفد المفاوض لدى عودته الى سورية استقبال الفاتحين، وجرت له في كل بلدة سورية مر بها احتفالات مشهودة.

إلا أن قوى وطنية كثيرة اعترضت على هذه المعاهدة باعتبارها تعطي صفة شرعية للانتداب الفرنسي، ونشأت معارضة تدعو إلى استقلال سورية التام وعدم الارتباط بأي التزام تجاه الحكومة الفرنسية.

وعلى إثر المعاهدة انعقدت في سورية انتخابات لتشكيل مجلس برلمان سوري، وفازت الكتلة الوطنية بأغلبية مقاعده، بعد هزيمة القوى المؤيدة للاحتلال والمتعاونة معه هزيمة ساحقة.

إلا أن فرنسا التي ساءها حصول الشعب السوري على أي من حقوقه الوطنية أخذت تتراجع شيئاً فشيئاً عن بنود المعاهدة، ورفض الموظفون الفرنسيون تسليم سلطاتهم إلى الحكومة السورية المنتخبة، وتردت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وأخيراً قامت السلطات الفرنسية المحتلة بحل البرلمان السوري المنتخب من قبل الشعب، وأخذت زمام السلطة مباشرة في عودة للحالة الاستعمارية السابقة، منهية بذلك مفاعيل المعاهدة نهائياً.

لم تكتف السلطات الاستعمارية الفرنسية بذلك، بل ساهمت في مؤامرة رتبتها معها كل من بريطانيا وتركيا تطال لواء الإسكندرون حيث ساهمت في سلخ لواء الإسكندرون عن وطنه الأم سورية بتسليم اللواء السليب إلى الحكومة التركية (التي ضمته إلى إقليم كيليكية) بعد انسحاب قواتها منه في 23تموز عام 1939، متجاهلة بذلك حق تقرير المصير للشعب العربي السوري في اللواء، رغم اللجان الدولية التي زارت اللواء وأثبتت وجود أغلبية عربية فيه من حقها تقرير مصيرها بكامل حريتها وفقاً للمواثيق الدولية آنذاك.

كانت الحرب العالمية الثانية قد ألقت بظلالها على العالم آنذاك، ودخلت قوات الحلفاء (فرنسا وبريطانيا) في حرب ضروس مع قوات المحور (ألمانيا وإيطاليا واليابان)، وشهدت سورية صراعاً بين القوات الفرنسية التي كانت تابعة لحكومة فيشي (الموالية للألمان) وقوات حكومة الجنرال ديغول (المتحالفة مع الحلفاء) حيث تمكنت القوات المتحالفة من إخراج قوات فيشي من سورية في تموز من عام 1941، وعلى إثر ذلك أذاع الجنرال كاترو (باسم ديغول) بيانه الشهير الذي وعد فيه سورية ولبنان بالاستقلال وحق تقرير المصير.

وبناء على ذلك تم في عام 1942 إجراء انتخابات نيابية فازت فيها الكتلة الوطنية، وفي شهر آب من عام 1943 انتخب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية السورية، وتألفت حكومة جديدة برئاسة سعد الله الجابري.

مع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها، حاولت فرنسا أن تعيد سيطرتها الاستعمارية على بلاد الشام (وخصوصاً سورية) وأخذت تماطل في تسليم كافة السلطات للحكومة السورية الشرعية، فاندلعت الاضطرابات في جميع أنحاء البلاد لتأكيد حق الشعب السوري في الاستقلال التام ، إلا أن القوات الفرنسية واجهت تلك الانتفاضة الشعبية بعنف منقطع النظير مستخدمة القوة المفرطة بحق المتظاهرين العزل فقصفت الأحياء السكنية في دمشق والسويداء وغيرها من المدن بالطائرات، ثم أنهت مسيرة القمع هذه بمجزرة مروعة ارتكبتها في مبنى البرلمان السوري، عندما رفضت حاميته المكونة من رجال الدرك السوري أمراً بإنزال العلم السوري عن البرلمان وتسليمه للقوات الفرنسية، التي قامت بقصفه بمختلف أنواع القنابل وتدميره  وذلك في التاسع والعشرين من شهر أيار عام 1945.

كانت الظروف الدولية التي تبعت نهاية الحرب العالمية الثانية غير مؤاتية كي تستمر فرنسا في سياساتها الاستعمارية، حيث طالبت بريطانيا بوقف أعمال القتال وإعطاء السوريين ما وُعِدوا به، وهدد تشرشل رئيس وزراء بريطانيا بتدخل عسكري في سورية، وبالفعل دخلت قوات بريطانية إلى سورية في مسعى لتهدئة الأوضاع.

عرضت المشكلة على مجلس الأمن، الذي صوّت على انسحاب قوات الاحتلال بمختلف جنسياتها من الأراضي السورية واللبنانية، حيث أصبحت كل منهما دولة مستقلة معترفاً بها في منظمة الأمم المتحدة.

وتتويجاً لنضال طويل مليء بالتضحيات والبطولات، خرج آخر جندي أجنبي من الأراضي السورية في السابع عشر من نيسان عام 1946، واعتبر هذا اليوم، الذي أصبح يعرف بيوم الجلاء، العيد الوطني لسورية، وفي ذات اليوم جرى أول احتفال احتفاء بعيد الجلاء ألقى فيه الرئيس شكري القوتلي خطاباً هنأ فيه الشعب السوري على هذا الانتصار العظيم.

في هذه الأيام وفي ذكرى الجلاء المجيد يجد الشعب السوري نفسه في نضال جديد متواصل ليطهر أرض سورية المقدسة من كل غزاة العالم الذين تآمروا على وحدتها وسلامتها وعاثوا فساداً فيها مرتكبين أفظع الجرائم التي عرفها التاريخ.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة