الموت في القرآن والفكر البشري .. الموت قدري !

العدد: 
14933
جمعة, 2017/04/28

قد يهاجم التشاؤم فريقاً من القراء لمسارعتهم بالانفعال وقد يتطير ذوو القصور العقلي والغباء التاريخي كردة فعل لما نحن فيه على امتداد الجغرافيات العربية جراء ما نعانيه حصاد جهالاتنا التي أعمت أبصارنا وهيمنت على عقولنا الغافية في كهوف لا نهاية لظلماتها ولكن ما إن يتخذ كل منا مقعد صدق في رحاب الوعي، حتى نتطاير من الكهوف وتنقشع الظلمات لتغدو نوراً على نور.

ولهذا أستميحكم عذراً بإجراء تعديل على العنوان ليصبح: (كما أن الموت قدري فالخلود قدري الأبدي) لأن الحياة والموت متداخلان حتى يكاد يحتضن كل منهما الآخر في الحياة الدنيا التي تعد كل موت بميلاد لا نهائي.

هاجس الموت كابوس مقيم على الأحياء ومدجج بفعالية لا مهرب منها إلا بالعبور إلى ما بعد الموت .. إلى الميلاد الجديد الذي يحمل مواصفات الأبدية.

تفيد البحوث والدراسات الأثرية والنقوش والأوابد التاريخية بأن حضارات الهلال الخصيب هي أول من توقفت لدى فلسفة الموت بعقلنة معتبرة أن الموت ليس  فساداً ولا فناءً أو نهاية ، إنه مجرد هجرة أو نقلة للنفس أوالروح من عالم الجسد الضيق جداً إلى عالم آخر بلا حدود ولا جغرافيات ضيقة كالجسد وأكاد أميل إلى القول وفقاً لمعطيات الحضارات السورية بأن الميلاد الأبدي لما بعد الموت انطلق من الشك أو عدم الاقتناع بأنه فناء مطلق لأن الشعور بالموت يغمره إحساس ببعث آخر أكثر توجهاً في الإنسان المعقلن وهذا الشعور كان يتوهج في عقول سكان أوغاريت وآشور وكلدان وبابل الذين يدركون بمنطق العقل والقلب بأن الموت يفصل الروح والنفس عن الجسد ومن هنا ولدت فكرة التواصل مع الموتى عبر التاريخ وحتى اليوم ومن هنا أيضاً ولدت فكرة التناسخ التي رسختها عقيدة / تموز / التي عشقت نفسها في بلاد الرافدين وأخذ بها الهنود وغيرهم من الأمم لأن القراءة التأملية لآداب ما بين النهرين والتوقف لدى ملحمة جلجامش بدقة وإحكام سيوصل المرء إلى قناعة بأن الموت لم يكن يعني نهاية الحياة بقدر ما يعني هجرة الحضور الحيوي من موطن الجسد إلى موطن أكثر رحابة وأكثر ملاءمة للإنسان ولعله من الشك النسبي في كون الموت فناءً مطلقاً، لاحت للإنسان السوري أحاسيس متناوبة ببعث جديد أكثر حيوية وثباتاً . هذه الأحاسيس التي كانت تغمر أبناء الهلال الخصيب كان لها أثرها الفاعل في الفيلسوف  زينون الرواقي / 335 – 265 ق . م / الذي عاشها وتمثلها طفولة وشباباً وكهولة ولهذا كانت الفلسفة الرواقية السورية أكثر شمولاً من كل التأملات الفلسفية القديمة انطلاقاً من تقبلهم لتقلبات العالم الخارجي توجهاً إلى العيش وفق الطبيعة  .. هذا هو الشعار الذي رفعه زينون بدفق عبقري وثاب سعياً إلى غرس الإنسان في الطبيعة أي على المرء أن يتخلق بما يتواءم مع الطبيعة وأن يتعايش وفق قوانينها وصولاً لمرحلة كبح انفعالاته لتحقيق حياة طيبة وذلك بدعم اللامبالاة فيما يخص القوانين والمتغيرات على المستوى الوجودي وبذلك تم تجاوز سر الموت التي جنحت الأساطير البدائية إلى اعتباره منطقاً عدوانياً على الإنسان من الخارج بغرق أو زلزال أو افتراس وحشي أو حتى بالشيخوخة .. وبكل الاعتبارات كانوا يميلون إلى اعتباره إنجازاً لوافد خارجي .. ومع النضوج العقلي في هذه المنطقة التي زرع فيها الإنسان القابل للتحدي ولدت معه فكرة أن الموت ليس فناءً أبدياً.

وهناك نقطة قد تكون أكثر أهمية قوامها أن شرقي المتوسط حفل عبر التاريخ بميلاد الأنبياء بدءاً من نوح وادريس وسواهما ممن حملوا رسائل الوحي الإلهي وبشروا بها في الهلال الخصيب لهذا اكتظت هذه الجغرافيات بالأديان والمذاهب حتى تكاد تتعايش فيها ما يزيد على ستين ملة من الملل والنحل نتيجة لمداخلات البشر على ما أوحي للأنبياء اجتهاداً جاداً أو اختراقاً وشعوذة من الجهلاء ومن أبالسة الشر حيناً آخر.

لقد تجاوز أبناء الهلال الخصيب إشكالية الأبعاد والمسافات باختراع الدولاب، وأوجدوا الأبجدية الأولى للتواصل كتابياً ولحماية منتجاتهم الأدبية والفكرية وأوجدوا الموسيقا لتخفيف الفواجع المحيطة بالإنسان وتأملوا السماء بنجومها وكواكبها وأقمارها فكان علم الفلك .. أفلا يجدون مبرراً معقلناً لإشكالية الموت التي تطاردهم ليلاً ونهاراً؟!

كما وجدوا حلاً للصراع مع الوجود أو الطبيعة بالتعايش معها وتوجيه الإرادة إلى الإنسان والتناغم مع الإيقاع الكوني وبذلك صادروا إشكالية الفواجع بالتصادم مع قوانين غير قابلة للتغيير كالموت وقوانين يمكن تجاوزها بشكل أو بآخر كالبرد والحر والزلازل والعواصف والبراكين وغيرها.

والآن في عصر فيزياء الصغائر وتحطيم الذرة وتفجيرها وفيزياء الفضاء وغزو بشكل أو بآخر قد يستطيع الإنسان العروج في أقطار السموات والتطواف بين المجرات وقد يتمكن من رفع منسوب عمره الزمني باستخدام المعطى العلمي وتوظيفه توظيفاً حيوياً راقياً، ولكنه غير قادر على مصادرة مصيره توجهاً تلقاء الموت .. فالموت قدره طوعاً أو كرهاً.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد