الموت في الفكر البشري والمنطق القرآني .. في الفكر البشري

العدد: 
14940
جمعة, 2017/05/05

تؤكد التجربة الإنسانية في مطاوي التاريخ أن المرء غير قادر على إلغاء وجوده مسبقاً كما أنه غير قادر على نفي ولادته في خط متساوق لا مكان فيه للاستثناء ، فهو لم يأت إلى الحياة مختاراً وبنفس الطريقة سيغادر الحياة مكرهاً بدون أخذ إذن خطي أو شفهي منه وقد يعترض فريق من الناس قائلين بأنه يمتلك أسباب إلغاء وجوده بالانتحار الطوعي وأسارع إلى القول بأن هذا ظاهر الأمر فحسب ، لأنه حينما يقدم على الانتحار فإنما يكون إقدامه مكرهاً نتيجة لظروف عجز عن مجابهتها وهذا ما يفسر ظاهرة الانتحار التي تحتوي على الرغبة بالحياة من جديد ولكن لات حين مناص .

لذا لا نكاد نعثر على مؤشر ولو في أدنى الاحتمالات على إمكانية الإنسان في التصدي لفاجعة الرحيل عن الحياة ورفض عبور دهاليز الموت وكما أخفقت كل المحاولات الرامية إلى تفسير واختراق سر الحياة كذلك أخفقت كل المحاولة المتطلعة إلى تفسير ظاهرة الموت.

تؤكد العلوم الانثروبولوجية بأن الموت قدر حتمي غير قابل للاستثناء وقد يكون بعدوان خارجي كما هو لدى البدائيين ، فثمة أسطورة تقول بأن كوكب القمر أرسل قملة وحمّلها رسالة تعد الإنسان بالخلود (كما أموت وفي مماتي أحيا كذلك أنت ستموت وفي مماتك تحيا ) وهذا وضع القمر يموت نهاراً ويحيا ليلاً بالنسبة للإنسان البدائي لكنما تفيد الأسطورة أن أرنباً برياً التقى بالقملة وأخذ الرسالة لإيصالها بحكم سرعته لكنه أوصلها بطريقة معكوسة قائلاً : (كما أني أموت وفي مماتي فنائي) فسارع القمر إلى لطم وجه الأرنب فانشقت شفته إلى يومنا هذا.

وهذه الأسطورة التي أوردها جاك شورون في كتاب (الموت في الفكر الغربي) ص17 واسعة الانتشار بين قبائل الهوتنتوت في جنوب افريقيا لكنها تفيد بأنها ذات بعد ما ورائي وتعود إلى الفكر الديني الذي حقق حضوره المبدئي في الشرق الأوسط أو بمعنى أدق في غرب آسيا أي في سورية وبلاد الرافدين ولعل مضمونها الأساسي (أنت ستموت وفي مماتك تحيا) كما جاء في معطيات رسل الله وكما تؤكد الدراسة التحليلية للنص الوارد في رسالة القمر بمزيد من الدقة والإحكام أي إذا عشت أخلاقياً فستعيش يوم البعث حياة طيبة.

 وبعيداً عن رؤى ماكس شلر وسواه بأن الإنسان يعرف بأنه ميت بشكل حدسي لأن هذا مجرد افتراض يحمل من الأوهام أكثر من الحقائق فإن التجربة المتكررة في كل الأزمنة تؤكد بأن الموت أمر حتمي لكل حي.

وفي فضاءات التأملات الفينيقية والبابلية والآشورية لم يكن الموت نهاية أبدية للكائن البشري بقدر ما كان بداية لحياة جديدة لأنه يعني الفصل بين الروح والجسد بحيث يتحلل الجسد بينما تتابع الروح أو النفس مشوارها كما يتوضح في نصوص كتاب (الميثولوجيا السورية) للدكتور وديع بشور وكتاب (أوغاريت) للشيخ نسيب وهبة الخازن ، وهذا ما جسدته الفلسفة الرواقية التي بشرت بالتوافق مع الطبيعة الخاضعة لقوانين كونية صارمة ومنها الموت لكنما العناية الإلهية تشمل كل شيء بدءاً من الإنسان الذي يتوجب عليه عدم الخضوع لانفعالاته وصولاً إلى السيطرة عليها والتحكم بها ليهيئ لنفسه حياة أفضل قبل الموت وحياة طيبة بعد الموت في ظلال عناية إلهية متسامحة.

لكنما ثمة عبارتان تحولان دون كل الهواجس التي تتضمنها فكرة الموت لمفكرين أوروبيين مثل قول مونتاني (إن المهمة المتواصلة لحياتنا هي أن نبني صرح الموت) ومقولة توماس براوني (إننا نحيا مع الموت ولا نموت في لحظة) ذلك لأن هناك تقاطعاً ملازماً للحياة والموت بما يؤدي إلى تواصل كل منهما مع الآخر في الحياة الدنيا مع عدم إقراري بمقولة براوني بأننا نحيا مع الموت وهذا يعني بأن الأنا الواعية ليست العدو الأكيد للموت  .. فالحياة محكوم عليها بالفناء بينما الأنا الواعية أي النفس أو الروح غير قابلة للفناء وهذا ما يحول بين مداخلة الفزع الأكبر للكائن البشري وصولاً إلى التساؤل التقريري:

لم لا تتجلى المهمة الأساسية في حياتنا بتشييد صرح الموت؟

فالإنسان في جوهره غير قابل للفناء كما يقرر آرثر شوبنهاور وهذا ما يؤكد صحة التصور المتمثل بأن الموت يتخلل الحياة في كل لحظة وبأن كلاً منهما ينتمي إلى الآخر تواصلاً مع عمانويل كانت الذي وجد نفسه محكوماً بالقول بحياة ما بعد الموت على أسس أخلاقية لأنه لا يمكن أن تتجاهل العناية الإلهية المطلقة شرور الأشرار ومعطيات الأبرار في الحياة وهذا يتماهى مع تطلع النفس أو الروح إلى الأبدية لأن المرء في تواتره الروحي ينسج عدم قبوله للفناء مما يحول الموت إلى ميلاد ثان  .. ميلاد حقيقي فاعل اختراقاً لحجب الخلود، بمعنى أن الموت هو البقاء.

وهذه الإيقاعات الرامية إلى تأكيد الخلود وفقاً للفيلسوفين الوجوديين سورين كيغارد ونيكولاي بردبانف استطاعت كبح جماح الفيلسوف الحيوي فريدريك نيتشه الذي تطلع إلى تجاوز العناية الإلهية حينما نادى بموت الإله ومن سار وفق هواه كالفيلسوف الوجودي جان بول سارتر الذي صرح هو الآخر بموت الإله وكأنهما استهدفا ما أراده العلم بدءاً من القرن الثامن عشر في تأليه الإنسان وكأنما عمد الفيلسوف والعالم الفيزيائي ألفريد نورث وايتهد إلى تجاوزهما حينما أكد بأن مفهوم الخلود لا يمكن فهمه إلا بفهم نقيضه (الفناء) لأنهما عالمان يتطلب أحدهما الآخر ، لكنما وفقاً لألفريد نورث  وايتهد فإن عالم الخلود لا يؤكده إلا عالم القيم المتأصل في الوجود باعتبار الواقعة دائما تشير إلى القيمة بحكم كون الفعل لا يتأصل إلا بالقيمة المطلقة أي إن خلود الإنسان إنجاز لخلود القيم الأخلاقية.

وهنا تنتهي كل صرخات نيتشه وسارتر ومن هم على دروب الفناء ومعهما صرخات الفيلسوف الحيوي جان ماري غويو الذي نادى في كتابه  ( أخلاق بلا إلزام ولا جزاء ) ليكون نداؤه صرخة في واد ، ذلك لأن القيمة الأخلاقية لا يتم حضورها إلا بالخلود  بحكم استبصار الإنسان  لنداء الواجب كمبرر حتمي لانتصار التصور الخلاق لأبجدية القيم كما بحكم كون الإنسان بدءاً من الوعي والإدراك والتدبر لا يمكن حضوره إلا بامتداد التجربة الأخلاقية تمثلاً بالبقاء بعد الموت  وبذلك ينتزع مكاناً رحباً في الإطار العام للخلود بعد الموت خروجاً من إشكالية تنازعهما في الحياة الدنيا بحكم كون القيم لا زمانية ولا مكانية وترتبط ارتباطاً لا ينفصم عن العناية الإلهية.

بيد أن تمثل المطلق أي الله في القرون الوسطى وحتى العصر الحديث القائم على الدور الأساسي لله في التاريخ قد توارى مع الفيلسوف الوجودي ألبير كامو كما توارى عند نيتشه وسارتر فقد أصبح الله غائباً عن التاريخ ولم يعد للقيم الأخلاقية الممثلة بالفضيلة أي امتياز يحمل شأناً في التاريخ.

وهذا يقود إلى أنه إذا لم يكن المطلق في الله فلا يمكن أن يكون إلا في الإنسان لأنه الوحيد في قدرته على الأرض وبالتالي هو الذي يرسم التاريخ بقوته وضعفه وكأن كامو يعيدنا إلى فريدريك هيجل الذي أدخل آلهة جديدة أي التاريخ نفسه بتبرير الأمر الواقع .. (المهزوم مخطئ والمنتصر على صواب) توجهاً تلقاء أنظمة ودول طاغية وصولاً إلى عالم بلا قيم لأن فحوى القيم يتمثل في أخلاق النجاح كما تتمثل الحقائق بإحراز النجاح وهذا ما يؤكده في كتابه المميز / الإنسان المتمرد / في إشكالية الثائر والمتمرد حينما يؤكد على النقاء والسمو الأخلاقي للإنسان المتمرد لأنه متعطش للعدالة أما الإنسان الثائر فهو ظامئ إلى السلطة.

وقد تكون مسارات الأحداث تنطوي على رؤية كامو في إشكالية المتمرد والثائر والتي أرى فيها ضرباً من الحقيقة.

وعلى الرغم من هشاشة الحضور الدنيوي وعدم الانسجام مع الواقع المعيش وهشاشة الرعب من الموت فإن الإنسان ينطوي على الخلود الذي لا يتطلب برهاناً لأن البرهان يقع على عاتق القائلين بالفناء.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد