قراءة في مسرح الشباب 1/3

العدد: 
14946
خميس, 2017/05/11

إن أهم ما يميز العصر العربي الجديد بعد الركوع الطويل أمام الأيقونات المتأبدة والمقدسة في الاجتماع والثقافة والأدب والمسرح والسياسة هو بروز الطبقة الشبابية بكل نزقها وتمردها ورفضها وإصرارها، وخلعها عباءات الوصاية الأبوية، لتأخذ زمام المبادرة من الآباء والأجداد.

هذا الانزياح المذهل والمفاجئ ، وإن لم يكن مفاجئاً للمتفكر الرؤيوي، يجعلنا نقرأ بتمعن ونقر بأن العصر العربي الجديد يشهد ثورة ما شهد مثلها تاريخنا القديم أو القريب.

وبما أن كل متغير جذري لابد أن تكون له مقدماته في حقول الإبداع والفكر والأدب تمهد له، ويكون له انعكاسه في هذه الحقول بعد قيامه، فإننا نجد أنفسنا مدعوين كمسرحيين إلى قراءة وعرض مجالات الإبداع الشبابي في المسرح، ليس من قبيل الاحتفال برؤاهم ونتاجاتهم فحسب , وإنما للتعرف أيضاً على فضاءات أفكارهم ومفهوماتهم الفنية والإبداعية للمشهد المسرحي، معتمدين الموضوعية والمصارحة في تقييم هذه التجارب.

*   *   *

ما يميز مسرح الشباب هو اتجاه معظمهم إلى التجريب، متسلحين بالشجاعة وروح المغامرة، إنهم يحاولون اختراق المألوف، وكسر قواعد اللعبة المسرحية، والولوج إلى المناطق المحرمة، والاهتمام الفائق بالصورة والمشهد البصري، ومن خلال متابعتي للمهرجانات المحلية والعربية محكِّماً أو ناقداً فإنني كنت أجد نفسي دائماً أمام مجموعات من الشباب المغامرين بالكلمة يحتلون خشبة المسرح في مهرجانات متعددة وعروض فردية، خلعوا عن أنفسهم عباءة الخوف والمحاباة، وراحوا يثيرون أسئلة في الوجود، ويحملون ثقافة الغربة والانكسار في عروض مسرحية داكنة ومشهديه بصرية مؤلمة تستبطن عمق المعاناة الإنسانية في مجتمع غريب التشكل مثل أبي الهول، يطرح عليك أسئلة قاتلة معجزة، لا ينجو حتى المجيب عليها من مصير أوديب.

يعود بقوة مسرح اللامعقول على أيدي هؤلاء المغامرين الذين لا يجمعهم تجمع سوى الإحساس المشترك بخروج الحياة عن منطقيتها وقواعد لعبتها التاريخية، وبلا معقولية الوضع الإنساني، والغموض والقلق اللذين يكتنفان مستقبل الإنسان والإنسانية، وتفكك العلاقات، وانعدام التواصل، وبروز الجانب المتوحش في الكائن الاجتماعي والقائم السياسي، والبحث عبثا عن الحرية كقارة مفقودة، وتكاثف دكنة الشعور بفقدان الأمن الفردي والأسري الاجتماعي والاقتصادي. إنها ثقافة الخوف من الآني والآتي في عصر الحصار والانكسارات، والهجرة والتهجير، واعتقال الكلمة، والمعيشة تحت خط الفقر.. في أرض الأنبياء‍! أفكار جريئة وهامة كانت تحملها إلينا كثير من عروض المسرح الجامعي والمسرح الشبيبي وهما أنموذجان حيان ومستمران لمسرح الشباب، وكان على المتبصِّر أن يقرأ  ما يرهص به هذا المسرح من متغيرات أصبحت اليوم واقعاً. يقول الغريب في مسرحية " أخوكم في الإنسانية " لفيصل الراشد والمقدمة باسم " حنين " إخراج إسماعيل خلف ضمن عروض مهرجان المسرح الجامعي " سأحدثك حتى الصباح عن بلادي عن جمالها عن شعبها والأنبياء‍ " . غير أن هذا الغريب ( عبد الله الزاهد ) الذي احتُصِر في المكتبة الوطنية وأغلقت عليه أبوابها وامتنع الجميع عن التواصل معه وإنقاذه هو الغريب في وطنه. من نافذة في المكتبة يطل الغريب المحاصر على العالم المحيط، وتمر أمامه نماذج بشرية تتجسد فيها عبثية الحياة وأزمة الإنسان المعاصر وانهيار القيم صاغها المخرج في مشاهد نابضة بالحيوية منها: مجموعة مثقفين يخوضون في نقاشات استعراضية حول دور كهايم والنيرفانا.

وفي مشهد ثان ثمة نازية جديدة وطيران وقصف مدن مسالمة. وفي ثالث ثمة جوع وحلم بسماء تمطر أرغفة من الخبز. وفي رابع تلد المرأة ويتم خنق الطفل ،  " فليمت الطفل إذا لم أستطع أن أطعمه ". أما المال في مشهد آخر فينصب في جيوب أناس لا يتورعون عن ارتكاب جرائم قتل للإثراء غير المشروع.

كل الأحداث المدماة بالقهر الإنساني كانت تدفع الغريب إلى إحراق المكتبة الوطنية بما فيها من ركام ثقافي وتراث، ومثلما بدأت المسرحية بذلك الندب الفراتي الفاجع للأم على ابنها "الغريب في وطنه " انتهت بندب الأم عليه في مشهد مؤثر، هكذا وبنوع من التأليف الدائري تنغلق دائرة الموت على إنسان عيناه محدِّقتان في لا واقعية الحياة الإنسانية.

من جهة أخرى ظهر رعيل من الشباب أصبح غالب ما يكتبونه هو النصوص الصغيرة ذات الفصل الواحد التي تعتمد البوح والمكاشفة وملامسة التفاصيل اليومية بكثير من الجرأة أكثر مما تعتمد البناء المسرحي القائم على الحكاية المحكمة، والبناء التركيبي المتصاعد، وإنجاز عمارة روائية، همهم التعبير الأقرب والمباشر عن قضاياهم، وإغلاق وقَصْر العالم على أنفسهم. يقول أحدهم (وائل قدور): إننا نكتب عن أنفسنا وهي محاولات فردية. في حين أننا لو عدنا إلى التجارب العالمية لوجدنا مثلاً أن  مسرح موسكو الفني اكتسب شهرته الواسعة من كونه مسرح مؤلفين، إضافة إلى كونه مسرح مخرجين، وتألق من عروضه تلك التي قدمت لنا كبار المؤلفين أمثال: غوغول، غوركي، تشيخوف، شفينيفسكي، تولستوي، بوشكين، شكسبير، برناردشو، ومخرجين كباراً أمثال: ستانسلافسكي، ومايرخولد، وفاختانكوف، وأفريموف، وتوفستنوكوف، وزفادسكي.

في مطلع السبعينات من القرن الماضي أصبحت الحاجة ملحة لدعم وتأطير فعاليات الشباب في مهرجان أطلق عليه مهرجان الهواة رعته وزارة الثقافة وعقدت دوراته الأولى في دمشق ثم انتقل إلى حلب بعد أربع دورات  ومع اختتام دورته السابعة عام 1977 أسدل الستار على هذا المهرجان وتوقف بعد أن حلت محله مهرجانات مركزية وفرعية أخرى احتضنت إبداعات ومواهب الشباب كمهرجان المسرح الشبيبي، والمسرح الجامعي، والمسرح العمالي، ثم كانت مهرجانات المحافظات التي تقدم فيها عروض شبابية على مستوى التأليف أو الإخراج أو التمثيل كمهرجان حمص ومهرجان حماه ومهرجان اللاذقية ومهرجان طرطوس ومهرجاني الثورة والرقة. ثم انضم إلى الركب مهرجان مصياف ومهرجان السلمية.

إن ما حققه مهرجان الهواة من نجاح كبير ورعاية حقيقية للمواهب حيث خرج من عباءته خيرة الكتاب المسرحيين والمخرجين والممثلين والفنيين الذين أصبحوا فيما بعد رموزاً واستلموا مركبة المسرح السوري، كل ذلك دعا وزارة الثقافة إلى استئناف هذا المهرجان بعد انقطاع طويل تحت اسم مهرجان الشباب وانعقدت دورته الأولى عام 2006 ومازال مستمراً يحتضن المواهب الشابة في الإبداع والتجريب المسرحي.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة