الموت في القرآن والفكر البشري

العدد: 
14947
جمعة, 2017/05/12

كل شيء قابل للتوقف المؤقت على صعيد الطبيعة الحيوية إلا الموت الذي لا تتوقف زمجرته في الحياة الدنيا تلقاء الإنسان والحيوان والنبات على وجه البسيطة ولهذا يبقى الكائن الحي أسيراً للزمان والمكان كما يبقى الموت الحضور الذي يستحيل استباقه ويمتلك امتيازاً وحشياً في الفتن والحروب والكوارث الطبيعية لكنه يمتلك احتجاجاً سامياً في الهرم والشيخوخة بالنسبة الكائنات الحية.

الموت حدث جلل يقتحمنا مطيحاً بكل القوى الحيوية والعقلية والشعورية التي نمتلكها وهذا ما يؤكده كتابا الله المرئيان؛ كتابه المخلوق ممثلاً بالكون وكتابه المقروء ممثلاً بالقرآن الذي تضمن الكتب الإلهية السابقة وكلاهما (المخلوق والمقروء) يتضمنهما كتاب غير مرئي (اللوح المحفوظ) وفي حدود فهمي المتواضع فإن الإنسان سيتابع تطوره العلمي لمجابهة كثير من المستحيلات كإيقاف البراكين والعواصف والزلازل والطوفان وقد يغير محور الأرض حتى مجيء ميقات الساعة للكون وما فيه وفقاً للآية الرابعة والعشرين من سورة يونس (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازّيّنت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس) المقصود: ليلاً أو نهاراً في كل جغرافياتها التي تتخاطفها الأزمنة ليلاً أو نهاراً لكنما التوقيت واحد وفي ساعة مؤكدة حيث يغدو الناس سكارى وماهم بسكارى بحكم الرحيل الأبدي عن الحياة .

إذن ميقات الساعة رهن الزمان الذي يتخيل فيه الإنسان أنه وصل مرحلة أصبح فيها قادراً على كل شيء في هذا الكوكب السابح في الفضاء.

فماذا عن الموت لغة وقرآناً؟

يقول ابن فارس في (معجم مقاييس اللغة) الميم والواو والتاء أصل صحيح يدل على ذهاب القوة من الشيء منه، الموت خلاف الحياة) ويقول أيوب بن موسى الحسيني اللغوي في كتابه (الكليات : معجم في المصطلحات والفروق اللغوية): الموت هو ضد الحياة والأولى في التعريف عدم الحياة وزوالها والمراد بقوله تعالى: (موتوا ثم أحياهم ) إماته العقوبة مع بقاء الأجل وقوله: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) أي بعد قيام الساعة أحياء وعيش أبدي وقوله: (وأحيينا به بلدة ميتاً ) بإعادة الحياة إليها أي الإنسان والحيوان والنبات ، وقوله جل شأنه: (أو من كان ميتاً فأحييناه ) بزوال القوة العاقلة فيه والإماتة جعل الشيء عديم الحياة. الجزء الرابع ص 278ـ 280 بتصرف.

وننتقل من أبجدية اللغة إلى أبجدية القرآن في (مفردات ألفاظ القرآن) للراغب الأصفهاني حيث يتكلم عن أنواع الموت بحسب أنواع الحياة:

1- منها ما هو بإزاء القوة النامية في الإنسان والحيوان والنبات نحو قوله: (يحيي الأرض بعد موتها) آية 19 سورة الروم وقوله: (وأحيينا به بلدة ميتاً) سورة ق آية 11 .

2- منها زوال القوة الحسية كقوله تعالى: (يا ليتني مت قبل هذا) سورة مريم آية 23.

3- زوال القوة العاقلة كقوله تعالى: (أو من كان ميتاً فأحييناه) الأنعام آية 122 لأنه في جهالة عمياء.

 4ـ الحزن المكدر للحياة في قوله تعالى: (ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت) سورة إبراهيم آية 17

5ـ المنام، ولهذا قالوا: إن المنام موت خفيف والموت نوم ثقيل كما في الآية (وهو الذي يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) سورة الزمر آية 42.

وقد وردت مفردة الموت في 22 سورة وجاءت مرة واحدة بصيغة (موتاً) في قوله تعالى: (ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً) الفرقان آية 3 ، وجاءت مرة مضافاً إلى ضمير الجمع (موتكم) بقوله: (ثم ليبعثكم من موتكم لعلكم تشكرون) البقرة آية  56 ، ووردت مضافة إلى الضمير المؤنث الغائب بصيغة (موتها) 11مرة في ثماني سور، كما وردت مضافة إلى الضمير المذكر الغائب بصيغة (موته) مرتين في سورة النساء آية 159 وسورة سبأ آية 14 والميت بتشديد الياء وكسرها وهو الذي يوشك أن يموت أو من هو في حكم الميت كقوله (إنك ميت وإنهم ميتون) الروم آية 30 ص 743ـ744 بتصرف عن موسوعة الألفاظ القرآنية للمرحوم مختار فوزي النعال .

بعد هذا التجوال المختزل مع مفردة الموت ومشتقاتها في عالمي اللغة وكتاب الله المقروء، سأعمد إلى إيراد النصوص المبتغاة من هذا البحث والتي تؤكد أن الموتى نيام حتى قيام الساعة. فالأنبياء والشهداء والمؤمنون ينعمون في القبر والمجرمون يعذبون. ولكن النعيم والعذاب لا يقع على الأجساد لأن الجسد طاله الفناء بالموت وإنما تناله النفس أو الروح التي غادرت الجسد إلى عالم برزخي مجهول.

والبرزخ لغة: الحائل أو الفيصل بين شيئين يستحيل اختراقه إلا بالأمر الإلهي يوم البعث والنشور. فالتركيب المادي للجسم يبقى تحت عوامل الفناء في الأرض، بينما النفس تصار إلى عالم البرزخ.

لكنما هنالك حالات موت مؤقت كقوله تعالى لبني إسرائيل: (موتوا ثم أحياهم) حيث قدم لنا مثلين على الموت المؤقت إلى أجل طويل.

الأول: ما ورد في حكاية أهل الكهف، والثاني: ما جاء في الآية /259/ من سورة البقرة التي تقص حكاية الرجل أو النبي الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها. وسأتوقف وإياكم لدى أهل الكهف في سورة الكهف وقد يسارع فريق إلى إطلاق بعض التساؤلات الاستنكارية : كيف توازي بين قصة الرجل الذي مر على قرية في سورة البقرة وبين أهل الكهف؟! فأهل الكهف نيام كما يفيد النص، بينما ذاك وضعه غير مؤكد إن كان ميتاً أو توفاه الله مئة عام ولم يخضع لا هو ولا طعامه للقوانين الكونية في الفناء، أما حماره فقد خضع لقوانين الفناء الكونية. بينما أهل الكهف لم يخضعوا لهذه القوانين رغم أن وفاتهم استمرت ثلاثة أضعاف ونيف من الزمن الذي مر على وفاة الرجل الذي مر على القرية، لكنما يمكن اعتبار كل منهما وفاة بشكل أو بآخر.

فماذا عن أهل الكهف بالاختزال الممكن؟! 

عمد الباحث القرآني محمد عزة دروزة الذي أميل إلى إضاءته في كتابه (التفسير الحديث) الذي يعتبر أول مفسر ينتهج أسلوب التفسير القرآني وفقاً للنزول وسار على خطاه فيما بعد صاحب تفسير (بيان المعاني) المرحوم عبد القادر ملاّ حويش آل عاني، وكلاهما سوريان، ولم يعتمد محمد عزة دروزة على الإسرائيليات التي كانت متفشية في شبه الجزيرة العربية من يوم ذاك وحتى الآن.

وجد أصحاب الكهف في زمن الإمبراطور الروماني دقليانوس (284ـ305) الذي كان شديد الوطأة على أتباع السيد المسيح عليه السلام واستمر الاضطهاد الروماني عل النصارى حتى أوائل القرن الرابع الميلادي كما يفيد المطران الدبس في المجلدين الثالث والرابع من كتابه المميز (تاريخ سورية) والذي عبثاً حاولت الحصول عليه وقد اعتمده الباحث محمد عزة دروزة.

وثمة تماثل بين الفتية المؤمنين وبين السائرين على هدى النبي العربي الذي بعث بعد المسيح بحوالي ستمائة عام ونيف، وهذا من أهم أسباب التساؤل عن قصة أهل الكهف التي تؤكد قدرة ذي العزة والجلال على الإماتة والإحياء بقوانين ثابتة والخروج عن هذه القوانين إذا شاء كما في حكاية الرجل الذي مر على قرية وحكاية أهل الكهف التي زادت أتباع الرسول (ص) إيماناً على إيمانهم بغض النظر عن عددهم وزمنهم. ولهذا أقول بمزيد من الحسم: إنه تم العثور على أهل الكهف متوفين في طرسوس في الشمال السوري لتأكيد يقين المؤمنين بعيسى عليه السلام كما ضربت مثلاً في الذكر الحكيم لتعميق قناعة المؤمنين بمحمد صلوات الله عليه وإخوانه النبيين.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة