قصة قصيرة .. انقلب السحر على الساحر

العدد: 
14952
أربعاء, 2017/05/17

في أعقاب الحرب الكونية الثانية حل الخراب والدمار والقتل والفساد واللصوصية، والسحر والشعوذة والآفات والمجاعات في بلدان العالم كافة .. وخاصة في بلادنا التي كانت ترزح تحت نير المستعمر الفرنسي .. والحروب تترك بصماتها الدامية في طبيعة المجتمعات ومنها: البؤس الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي والنفسي .. واستفحلت المجاعة حتى التجأ الناس إلى أكل الأعشاب البرية في السهول والهضاب .. وأصبح كل فرد لا يشعر بالأمان.. واتفق الراعي مع الذئب على اقتسام الرعية .. فهيمن على الوطن شبح مخيف يهدد البلاد بالفناء والاندثار، رغم الطبيعة الجميلة والطقس البديع حيث البيئة الجبلية الغنية بأشجار التين والزيتون والعنب وأشجار السنديان في الغابات. ففي شمال وطننا العزيز حيث السفوح والهضاب والسهول والجبال تسامر النجوم وتعانق السماء. فهذه البيئة البديعة يسودها الحزن الأليم والكآبة الخرساء. وقد اتحدت زمرة الإقطاع والطغاة الفرنسيون وثلة من الرجال الفاسدين لتطبيق الإجرام الثلاثي من خلال الجهل والفقر والمرض وأحاطت دائرة السوء بموروث الحرث والنسل.

في هذا الجو المشحون بالكوارث والآلام كانت تقطن في إحدى قرى هذه البيئة الموبوءة بالفساد والانحلال الأخلاقي شخصية تدعى (درخوني) وكان يتمتع بسلطة واسعة من قبل الوجهاء المتحالفين مع المستشار الفرنسي، وكان يتبوأ الصدارة في العزائم والولائم المقامة على حساب الفقراء الجياع وذلك في المناسبات ، وله القول الفصل في القضايا الاجتماعية والمالية والأخلاقية. وكان بيت الدرخوني عيادة طبية للوافدين من المرضى المصابين بأمراض عصبية ونفسية وداء الصرع والهلوسة والهذيان. و(الدرخوني) يكتب لكل من يشكو مرضاً ما .. فهو طبيب ناجح لكل الأمراض ويكسب مالاً جماً من هؤلاء الجهلة والسذج. وكان يفتح المندل بذكاء ومكر شديدين، ويتنبأ بالمستقبل وما يحمله من أسرار وأقدار خافية .. والعوام ينظرون إليه على أنه العصا السحرية، ويعتقدون أنه يطرد أشرار الجن عنهم، وأنه قادر على تبديل مقادير حياتهم وإعادة البسمة إليهم. وأثناء معالجته للمرضى الزائرين يلفظ ألفاظاً عصية عن التبيان فيستسلم المريض لإرادته خائفاً مذعوراً ..!!

وفي ليلة من ليالي الصيف الجميل، والناس نيام في حظائر الحيوانات بعد نهار شاق أمضوه في الحصاد، راودت (الدرخوني) خواطر ترفيهية وردية بالهجرة من قريته إلى ما وراء ذلك الجبل، حيث الينابيع اللا زوردية الزمردية وقطعان المواشي، سوف يحقق أمنياته في العيش الرغيد والثروة الطائلة والمال الوفير، ويتغذى على السمن واللبن والعسل الملكي، ويتزوج امرأة جميلة، ويشيد قصراً عالياً تشعشع فيه الأنوار على أكتاف هؤلاء الرعاع ، حيث أنهم سيقدمون له الأضاحي، فيتناول لحوم الخراف. وفي الصباح الباكر حمل كتبه وأمتعته على حماره، وشد الرحال قاصداً تلك المروج والسهول، مروراً بوادي الحصار، وهو واد عميق رهيب تحفه الذئاب والضباع. وبينما كان (الدرخوني) يحث حماره على الإسراع واجتياز المخاطر، أوقفه قطاع الطرق وهم يحملون / البنادق الطويلة / من النوع الألماني، وتبدو على وجوههم الشجاعة الفائقة والإقدام الوثاب، وزنودهم كجذور السنديان. أوقفوه: ارفع يديك واستسلم .. من أنت يا هذا؟ ارتعش (الدرخوني) ارتعاشاً شديداً كاد يفقده وعيه، وانهارت أعصابه، فقال: أنا يا سيدي اسمي (الدرخوني ) .

 فقالوا: إلى أين أنت ذاهب؟ فقال: إلى قرى هذه السهول الفسيحة لأزور خلاني. فقالوا: ما عملك ؟ فأجاب: عملي يا سيدي معالجة المرضى إذا مسهم الجن الشرير وكتابة الحجاب للثوار كي يقيهم من اختراق الرصاص لأجسادهم. فقالوا: حسناً اكتب لكل واحد منا حجاباً وسنكافئك بليرة ذهبية.

فانشرح صدره واطمأن وذهب عنه الفزع والخوف، وشرع يكتب لكل واحد منهم حجاباً ويعلقه في عنقه ويقول لهم: هيا تقدموا إلى القتال تحميكم الحجب فرصاص العدو يذوب ويضمحل أمام أجسادكم بفضل الحجاب.

وقال زعيمهم على الفور: إذن سنعلق حجاباً على صدرك، ونجعلك هدفاً أمام رصاصات أسلحتنا فإن نجوت فأنت صادق وسنكافئك بليرة ذهبية، سنوجه فوهات بندقياتنا نحوك، فإما تنال مكافأتك وجائزتك وإما تموت. فاختر ما تشاء!! عندئذ خارت قواه وارتبك وتلعثم وانحنى راكعاً على أقدامهم قائلاً: أرجوكم ...!!! دعوني أعود إلى قريتي وسوف أتوب أمامكم. لن أراوغ، ولن أمكر بأحد. فرد رئيسهم مزمجراً: اترك حمارك وأمتعتك وكتبك هنا، واركض ركضاً سريعاً نحو قريتك بلا توقف. فإن تباطأت في جريك سيأتيك الرصاص فوراً كلمح البصر وسينتهي أجلك. فركض (الدرخوني) مسرعاً دون توقف، يدفعه إلى ذلك خوفه، وكأنه في سباق للجري ..!!

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
جعدان جعدان

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة