ذكريات شعبانية تَحْفيزٌ وَهِمّة

العدد: 
14953
خميس, 2017/05/18

هيا لنترك غفلةَ الأزمانِ...ولْنَستبق بصنائعِ الإحسانِ

في شهر شعبانَ المكرّم تَرتقي...أعمالُنا بمعارِجِ الرحمنِ

فلْنَجْتَهِدْ ولنَقتَدي برسولِنا...شعبانُ برزخنا إلى رمضانِ

شهر شعبان شهر الاجتهاد وشحذ همم لكلِّ من فهم ووعى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (ذلك شهرٌ يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهرٌ تُرفعُ فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحبُّ أن يُرفع عملي وأنا صائم) رواه النسائي.

وإذا استقرأنا بعض أحداث السيرة النبوية الشريفة التي هي رائدنا وأسوتنا سنجد فيها ذكريات شعبانية عظيمة منها:

•غزوة بدر الثانية: حيث جرت في شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة، وذلك أن أبا سفيان قد نادى عند مُنصرفه من أُحد أن موعدكم بدر العام المقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: قل نعم هو بيننا وبينك موعد. وخرج أبو سفيان للوفاء بالموعد الذي ضربه لكنه خرج متثاقلاً يخشى أن يلتقي بجيش الحق في قتال لم يتخذ له أهميته؛ لذلك لم يكد يقترب من الظهر حتى بدا له أن يرجع، فصاح بقومه: يا معشر قريش أن لا يصلحكم إلا عام خصيب ترون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا، ثم عاد القوم منسحبين من المعركة المنتظرة .

أما المسلمون الذين زحفت كتائبهم لملاقاة المشركين في شجاعة وحماسة حتى وصلوا إلى ماء بدر، وظلوا ثمانية أيام معسكرين حول ماء بدر يعلنون وفاءهم بكلمتهم واستعدادهم لخوض المعركة التي يثأرون بها من أعدائهم، ولما طال انتظارهم وهم يترقبون مقدم أهل مكة عادوا إلى المدينة أعزة أقوياء. فكان دافع هذه الغزوة وفاء الوعد نتج عنها رفعةٌ ومجد، من غير إراقة قطرة دم.

•غزوة بني المصطلق: حيث جرت في شهر شعبان من السنة الخامسة للهجرة، وقد كان من خبرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن الحارث بن درار سيد بني المصطلق يجمع الجموع لحربه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لملاقاته ومعه جيش كبير بلغ عدده ألف مقاتل بين راكب وراجل، وقد أراد الرسول أن يهاجمه قبل أن يهاجموه حتى يُلقي الرعب في قلوبهم وجعل لواء المهاجرين لأبي بكر ولواء الأنصار لسعد بن عباده، وانتصر المسلمون بعد معركةٍ طاحنة ووقع الكثير من بني المصطلق في الأسر ممن نجوا من المعركة من رجال ونساء؛ وكان من الأسرى بريرة بنت الحارث سيدة بني المصطلق "سُميت جويرية" فأكرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسن إليها ثم تزوجها، فلما علم المسلمون بزواج الرسول من بني المصطلق أرادوا أن يكرموا جميع نساء القبيلة من أجل هذه المصاهرة الكريمة فقالوا: هؤلاء أصهار رسول الله ولا ينبغي أسرهم في أيدينا فاعتقوهم  فكانت جويرية "بريرة" أيمنَ امرأةٍ على قومها، كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها، وكان نتيجة هذا التكريم العظيم والمعاملة الحسنة أن أسلم جميعُ بنو المصطلق. وهكذا كانت غزوة بني المصطلق بدايتها لردّ العدوان ونهايتها تكريم الإنسان.

•غزوة الغابة: حيث جرت في شهر شعبان من السنة السادسة للهجرة " وتُعرف بذي قرد"، وسببها أنَّ رجلاً يُقال له عيينه بن حصن مع أناس من قبيلة غطفان هاجموا قطيعاً من النوق للمسلمين وسلبوها فتبعهم الصحابي الجليل سلمه بن الأكوع الأسلمي رضي الله عنه ومعه غلامان وجدَّ في السير حتى لحق بهم وكان رامياً فجعل يرميهم بالنبل، وحمل عليهم ومعه الغلامان حتى فر القوم، وألقوا كثيراً من الرماح والأحمال ليخففوا رحالهم وينجوا بأنفسهم، ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح بن الأكوع خرج من المدينة وهو يقول: الفزع الفزع يا خيل الله اركبي، ولما تلاحق القوم كان سلمة استنقذ أكثر القطيع، وقد سُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فعل سلمه فأردفه خلفه وهو راجع إلى المدينة وأكرمه وأحسن إليه في العطاء، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء يُقال له "ذو القرد" ونحر ناقة من لقاحه المسترجعة وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ويوماً ثم رجع إلى المدينة المنوّرة مع الركب سالمين. فكان عنوان تلك الغزوة المدفاع عن الحق المسلوب بكلِّ كرامةٍ وعزّةٍ يؤوب.

وبعد فهذه بعض أحداث هذا الشهر المُكَرّم التي أشرقت بشعبان وأشرق بها شعبان؛ هذا الشهر الذي جعله الله تعالى شهراً تُرفعُ فيه الأعمال إليه سبحانه.

اللهم بارك لنا في شعبان وبلّغنا رمضان وأكرمنا بالأمن والأمان في أوطاننا يا ربُّ يا رحمن.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة