الموت في المنطق القرآني والفكر البشري - الموت الأبدي

العدد: 
14955
سبت, 2017/05/20

بالانتقال من الموت المؤقت إلى الموت الأبدي حتى قيام الساعة نجد أنفسنا حيال الآيات التالية :

1 ـ أول ما يجابه الإنسان في هذا الصدد النص الوارد في سورة (يس) التي يتلوها المسلمون على موتاهم ، علماً بأن القرآن أنزل إلى الأحياء وليس إلى الأموات وليست هنالك دلالة قطعية على تلاوته على الأموات لأنه كما قال رب العزة في الآية 19 من سورة (ص): (كتاب أنزلناه مبارك ليدّبروا آياته وليتذكر أولو الألباب) وهذا يفيد بأن القصد من إنزاله للتدبر والتفكر وممارسة التطبيق النظري والفعلي لآياته المحكمات.

وقد تضمن النص تدبر (أولو الألباب) التي وردت في التنزيل المبارك 16 مرة وهم أولي الوعي الكامل عقلاً وقلباً وبصيرة ولم ترد تلاوة القرآن على الرسول العظيم بعد موته ولا على أحد من أهل بيته الأطهار أو أصحابه الأخيار ولا التابعين ومن لحق بهم . وغالباً  تمت تلاوته على الأموات في وقت متأخر من نزوله قد يكون بعد عشرات أو مئات الأعوام وقد برر العلماء والفقهاء تلاوته على الموتى استناداً إلى الحديث النبوي: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) وبذلك تم الإفتاء وأميل إلى القول إن لم أكن مخطئاً: إن تلاوته على الأموات من الأولاد والأحفاد يتضمنها الحديث النبوي أما قراءته من الآخرين فهي تفيدهم وحدهم ولا يطال الأموات شيئاً منها والله أعلم. وما أقوله مجرد اجتهاد يحتمل الخطأ كما يحتمل الصواب فما أنا إلا مجرد إنسان يبحث جاهداً عن الحقيقة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

وإليكم النص الوارد في سورة يس: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين* ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون* فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون* ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون* قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون* إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميعاً لدينا محضرون* فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون) يس – الآيات 48-54 ورقم نزولها /41/.

وهذه الآيات توصف حالة الناس حين مفاجأة الساعة لهم في نومهم أو يقظتهم وعدم قدرتهم على العودة إلى أهلهم لأنهم في وضع مباغت لأنهم في موقف لا يتذكر المرء فيه إلا نفسه توجهاً تلقاء الموت في الساعة الأولى التي تتبعها منها الساعة الثانية بميقات لا يعلمه إلا الله فيبعثون ويتساءلون: من بعثنا من مرقدنا ورقودنا الذي كنا فيه؟! فيجيبهم الله على لسان ملك من الملائكة والله أعلم: هذا ما وعدكم رب العزة به وأنذركم به المرسلون ثم يأتي الموقف الرهيب لتجزى كل نفس بما كسبت من خير أو شر أعاذنا الله من كل سوء وألبسنا وإياكم فضائل رحمته هنا وهناك.

وأريد أن أعترف بأن الساعة والحشر والحساب كانوا من مقومات إيماني بالقرآن ومن أنزل عليه القرآن كما أشرت في كتابي (القرآن وتحديات العصر).

2- (يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً * يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشراً * نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوماً ) سورة طه  الآيات 102 – 104 رقم نزولها 45.

والنص في منتهى الوضوح حيث تفيد تساؤلاتهم وإجاباتهم المتقاربة (من يوم إلى أيام معدودات) أنهم كانوا في حالة نوم كلي والتساؤل هنا ينطلق من الأنفس أو الأرواح وفق المصطلح غير الدقيق لأن الأجساد فنيت وبقيت الأنفس كما تؤكد جميع النصوص القرآنية وتتزاوج بأجساد غير قابلة للفناء يوم الحساب.

 3- ( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون* بل ادّارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون ) النمل الآيات 65-66 ورقم نزولها 48 أي أنهم كانوا في شك من بعثهم أو في عماء عقلي ومعرفي عنه لهذا لا يشعرون في أي وقت سيعودون إلى الحياة لأنهم في نوم طويل.

4- سورة الإسراء ورقم نزولها 50 الآية 52 ( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً ) والنص في منتهى الوضوح.

5- سورة يونس رقم نزولها 51 الآية 45 ( ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين) وتتضمن هذه الآية تأكيداً بأنهم حين يحشرهم ذو العزة يخيل إليهم أن موتهم لم يدم إلا ساعة واحدة فيتعارفون ويتضح الخسران المبين لكل من كذبوا بالبعث والنشور.

6- سورة الأحقاف ورقم نزولها 66 الآية 35 ( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) وهذه الآية خطاب للرسول الكريم ، والجدير بالذكر أن السورة التي تليها تحمل اسم سورة ( محمد ) صلوات الله عليه وعلى اخوانه النبيين وهي توصيه بالصبر على العباد لأنهم على موعد مع البعث ومهما طال موتهم فسوف يظنون أنه لم يدم سوى ساعة من نهار.

 7- سورة المؤمنون رقمها نزولاً 74 الآيات 112-115 ( قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين* قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم فسئل العادين* قال إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون* أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ) ويجدر بالسادة القراء تلاوتها من الآية 99 وحتى الآية 118 ليكونوا أكثر مقدرة على استيعاب المطلوب وخلاصته: إن خلق الإنسان والكون لم يكن عبثاً ، لكنني لا أستطيع الجزم في هوية السائل ( كم لبثتم في الأرض عدد سنين ) تحت الثرى وإن كنت أميل إلى أن السائل هو ذو الجلال والإكرام.

8- سورة النازعات رقمها نزولاً 81 الآيات 42-46 ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها * فيم أنت من ذكراها * إلى ربك منتهاها * إنما أنت منذر من يخشاها* كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشيةً أو ضحاها ) وواضح حينما تطالهم الساعة سوف يخيل إليهم أنهم لم يلبثوا في جوف الأرض إلا بعض النهار.

9- سورة الروم ورقم نزولها 84 الآيات 55-57 ( ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون* وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون* فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون) والنص يبين الدلالة لكنما يتضمن تأكيداً ممن آتاهم الله العلم والإيمان بأن بالساعة لم تباغتهم لأنهم مستعدون لمجيئها عندما كانوا على قيد الحياة بينما من ظلموا أنفسهم بالكفر وخانوا العهد تابعوا إفكهم الذي اعتادوا عليه.

 تلكم هي الآيات التي تؤكد أن من في القبور نيام إلى ميقات يوم غير معلوم حتى مجيء الساعة التي لا يعلمها إلا الله.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة