الموت في المنطق القرآني والفكر البشري .. التلقين والحساب والنعيم والجحيم

العدد: 
14963
أحد, 2017/05/28

كما إن التوقف عند كتاب الله المخلوق (الكون) يفرض على العالم مزيداً من الدقة والإحكام لتكون فرضيته ونظريته تحمل كل المواصفات الموضوعية، كذلك التوقف لدى كتاب الله المقروء (القرآن) يتطلب الاستمساك بكل أبجديات العقلنة والتجرد والموضوعية وعدم الميل مع الهوى لأن وصوله إلى فرضيات أو نظريات ملوثة بالهوى تؤدي به إلى الكذب على الله. وها هنا يكمن الخسران المبين. وأظن أني تحكمت بعقلي وأهوائي إبان وقوفي عند الآيات التي تتحدث عن السيد المسيح عليه السلام، ووجدت نفسي غير قادر على الميل إلى أي من الرأيين المتناقضين القائلين بنزول السيد المسيح أو عدم نزوله بعد أن توفاه الله ورفعه إليه، لأن الآيات القرآنية المتعلقة بذلك متوازية كل التوازي ولا يستطيع الباحث اتخاذ رأي بالقول: نعم أو لا. 

وهذا ما وصلت إليه رغم حواراتي الجادة مؤخراً مع الصديق الباحث د . أحمد علوش الذي يمتلك حسماً نهائياً بنزول المسيح وإحياء الكثير من الرسل وغيرهم .. وأنا إذ أحترم رأيه ورأي القائلين بعودته ولا أمتلك الجرأة على قول نعم أو لا، فقد عمدت إلى هذه الإشارة لإغلاق باب التساؤل أمام من قد يتساءلون: لماذا لم تشر إلى عودة المسيح حينما تحدثت عن الموت المؤقت؟!

  *    *    * 

1ـ التلقين: بحدود معرفتي بالذكر الحكيم، إن ما يصار إلى القيام به من تلقين الميت بعد دفنه أمر ما أنزل الله به من سلطان، وإنه لم يتم تلقين أحد الأموات لا في حياة الرسول (ص) ولا بعد رحيله إلى الرفيق الأعلى، والقرآن بالذات ينفي القدرة على السمع عند الموتى كما جاء في الآية 80 من سورة النحل: (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين).

ولعل الآية 22 من سورة فاطر أكثر وضوحاً وتبياناً: (وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور). وهذا ما يؤكد أن تلقين الموتى لا يمتلك بعداً قرآنياً ومع ذلك يعتمده المسلمون ولست أدري من أين داخلهم في دينهم. لكنني أستطيع القول: إنه اخترقهم لعدم إتقانهم أبجدية القرآن الذي أنزله رب العزة للتدبر العقلي والتفعيل الحيوي على أرض الواقع.

وهذا مجرد اجتهاد يحتمل الخطأ والصواب مع أني لم أتطلع إلا إلى الحقيقة لأنني قرآني وأعتز بالقرآن وبمن أنزل عليه القرآن.

2ـ الحساب وأنكر ونكير: توضع جثة المتوفى في القبر أو في باطن الأرض وتكون نفسه قد غادرت الجسد ذهاباً إلى عالم البرزخ وليست الروح وفقاً للمصطلح الخاطئ لأن الروح هو جبريل عليه السلام (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) الإسراء آية 85 و الشعراء 195 وغافر 15 والمجادلة 22 والمعارج 4 والنبأ 38 والقدر 4، وقوله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا) الشورى 52 إلخ. وبشكل عام تعددت الدلالات وفقاً للسياق، فقد ورد بمعنى جبريل (روح القدس) كما جاء في الآيات: البقرة 87 والنساء 17. كما جاء بمعنى الوحي الإلهي عن طريق جبريل النحل الآية 2، وجاء بمعنى جبريل أو القرآن: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا) الشورى 52، وجاء بمعنى يتحمل كونه جبريل أو القرآن بوضوح أكبر: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) أي جبريل أو القرآن في أغلب الظن لأن مهمة جبريل تنزيل القرآن والقرآن روح من أمر الله والله أعلم.

بينما دلالة النفس واضحة ومحددة في النصوص القرآنية حيث ورد لفظ النفس 61 مرة وجاء منصوباً بصيغة (نفساً) 14 مرة وجاء (نفسه) و(نفسها) وكلها وردت في معنى النفس الإنسانية في الآخرة كقوله تعالى: ( وإذا النفوس زوجت ) التكوير 7، كما جاء هذا اللفظ في الدنيا بالدلالة نفسها كقوله تعالى: (إن يتبعون إلا الظن وما نوى الأنفس) النجم 17، وهي تعني ذات الإنسان كقوله: (كل نفس ذائقة الموت) آل عمران 185، وقوله: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) الزمر 42، مما يجعلني أؤثر استعمال مفردة النفس وليس الروح كشأن العامة، وأظن ذلك أقرب إلى الصواب وأكثر دلالة على المطلوب، وهذا رأي شخصي يحتمل الخطأ والصواب. ويمكن مراجعة مفردتي الروح والنفس في مفردات القرآن للأصفهاني وموسوعة الألفاظ القرآنية لمختار فوزي النعال لأن ما يوضع في الجدث أو القبر هو جثة الميت التي بدأت التواصل مع الفناء، في حين تغادر النفس الجسد توجهاً تلقاء عالم البرزخ الذي لا يمكن اختراقه دخولاً وخروجاً إلا بالأمر الإلهي ..

وهذا يعني أن الملقن عندما يعمد إلى تلقين الميت إنما يلقن الجسد الذي لا يسمع ولا يدرك كما قال ذو العزة والجلال: (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين) سورة النحل الآية 80، وجاء في الآية 22 من سورة فاطر: (وما يستوي الأحياء ولا الأموات، إن الله يسمع من يشاء، وما أنت بمسمع من في القبور) وإذا كان الرسول الكريم قد أسمع قتلى المشركين في بدر بعد وضعهم في القليب كما ورد تاريخياً فيكون ذلك بإعجاز إلهي محض. هذه واحدة.

والثانية: إن أمام الإنسان حساباً واحداً، وهذا الحساب لا يكون إلا يوم القيامة حصراً ومن يحاسب هو ذو العزة والجلال لقوله: (اقترب للناس حسابهم) الآية 1 من سورة الأنبياء، والحساب للجميع وبتوقيت محدد بعد يوم البعث والنشور وليس في القبور كما تفيد أسطورة أنكر ونكير التي دخلت الإسلام بأسلوب غبي أو شيطاني وفرضت حضورها الخاطئ. فالمحاسب هو الله وليس أنكر ونكير لقوله تعالى: (إن الله سريع الحساب) آل عمران 99 وإن قراءة متأملة لسورة يس التي تتلى على الموتى تقود القارئ المتفكر إلى ما أشرت إليه.

وقبل رفع تحية الوداع إلى عالم الموتى، أرى من الضرورة بمكان العروج إلى عالمي الجحيم والنعيم اللذين يزعم الزاعمون أنهما في القبور جهلاً من عند أنفسهم أو لمداخلات اخترقت الفكر الإسلامي بشكل أو بآخر.

يؤكد المنطق القرآني أن الموتى نيام .. خامدون فالمؤمن والكافر على السواء باستثناء:

1- المجرمون من ذوي الحول والطول كما جاء في الآية 46 من سورة غافر:( النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) وهذا هو النص القرآني الوحيد الذي يشير إلى العذاب قبل يوم الفصل والحساب حيث يساق المجرمون والمنحرفون إلى النار بعد يوم القيامة، أما في الحياة الدنيا فكل الموتى خامدون وبمعنى أدق: أجسادهم فنيت ونفوسهم في رقود طويل ولست أدري فيما إذا كان (موقظو الفتنة في سورية والجغرافيا العربية ومؤججوها سيعرضون على النار غدواً وعشياً كآل فرعون).

2- الأنبياء والشهداء والمتقين، فالنصوص التي تؤكد أن الأنبياء ينعمون كما يستلهم  من السياق العام لآيات كتاب الله المقروء لأنهم حملة رسالته إلى العباد. أما الشهداء: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) آل عمران 169 والآية 19سورة الحديد والآية 30 سورة فصلت 30 والآية 153 من سورة البقرة: (ولا تقولوا من يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون).

وأرجو أن يكون شهداء الهلال الخصيب والجغرافيات العربية والإسلامية وكل بقاع الأرض أحياء عند ربهم يرزقون. وهناك نصان يقرران النعيم للمتقين في عالم البرزخ، الأول مصداقه الآية 30 من سورة فصلت: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) وكما ترون فقد وعدوا بالجنة بعد يوم القيامة أو بعد الموت مباشرة وإن كنت أميل إلى أن موعدهم في عالم البرزخ قبل البعث والنشور. والنص القرآني الآخر ولعله الوحيد الوارد في الآية 26 من سورة يس وهو المتعلق بالذي جاء من أقصى المدينة وهي مدينة انطاكية أو طرسوس في الشمال السوري مسرعاً ليلقى رسل الله الذين كذبهم قومه وقد عمد إلى محاكمة الموقف بدءاً من خطاب النبيين وردود أبناء مدينته المصرين على الضلال الآيات 25 – 27: (إني آمنت بربكم فاسمعون* قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون* بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) والنص يؤكد أنه دخل عالم النعيم بعد موته مباشرة لأنه كما يؤكد النص تمنى لو علم قومه بما أوتي من كرم إلهي عسى أن يتوجهوا تلقاء الإيمان.

بعد هذا التجوال المختزل في إشكاليات الموت والأموات لست أدري فيما إذا كان ما قلته صواباً أم هراء وإن كنت أظن بمزيد من الحسم أنني كنت صادقاً معكم ومع ذاتي وأستغفر الرحمن الرحيم إن كنت قد أخطأت وإن لم أخطئ جعلني الله وإياكم من المستغفرين في الليل والنهار والأصائل والأسحار.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة