الحزن الجميل .. إطلالة على المعرض الجديد للفنان خانجي

العدد: 
14967
خميس, 2017/06/01

ضم المعرض الحالي للفنان عبد المحسن خانجي  12 لوحة جدارية منقسمة إلى ثلاثة أقسام يمكن أن يكون كل قسم لوحة في ذاته ويمكن أن يتكامل مع مثيلاته ليكون جدارية جميلة، واللوحات المعروضة بعمومها عبارة عن اهتمامات لونية متضافرة حملت رؤى الفنان وتطلعاته وقدمت للمشاهد فائدة وفكراً وجمالاً، ونقلته إلى مواطن خيالية جمالية بعيدة.

اللوحات الجديدة المعروضة نهلت الأصالة المتجذرة في دنيا الناس من زاوية الحب والعواطف القريبة والبعيدة وفق أسس معرفية فلسفية ملونة كونتها الريشة بليونتها واستقامة خطوطها وامتداد ظلالها التي بدت في البناء اللوني الواسع الذي عبر عن أفكار جزئية متكاملة في رؤى اللوحات ومراميها.

إنه الفنان الخانجي الذي ما فتئت ريشته تلون مخترقة حصار اللظى واللهب الذي مرت به مدينتنا حلب في هذه السنين العجاف. لقد حول بريشته مساحات السواد والبؤس إلى مساحات ملونة يتعايش فيها الظل والنور، وانعطفت الأحلام وانبثقت المعرفة التي تزود المبتغى بالألوان الرقيقة الصافية غالباً وبالحركة الرهينة التي أظهرت بعضاً من مساحات الحزن الجميل، الحزن الذي بدا في نظارة العيون الواسعة الآفلة المعمرة بالرجاء، كما في لوحة عمق الحزن المغني التي تسكن في الأطر البعيدة والعميقة وغيرها. وفي المعرض لوحات شغلت مساحات مكانية كبيرة واستوعبت واتكأت على المساحات الفكرية الواسعة ، كما دلت على الزمان المتطاول الممتد في هذه اللوحات التي حملت صفاء لونياً ماثله صفاء نفسي حاول أن يستوعب حركة الشباب في هذا الزمن الصعب وقدمه بريشته الأصيلة التي استوعبت مرامي الحاضر الذي يمثل جزءاً من كينونة الوجود واستمراريته وذلك بتقديمه عاطفة الحب التي لا يحدها زمان ولا يؤطرها مكان وقد انزاحت دواخله على المسطحات اللونية الواسعة التي انسجمت مع اندياح المنديل الذي شف وهف ورف وغلف الأجساد الظامئة إلى النور والحرية، وقد ظهرت الأجسام المجسدة في اللوحات مغلفة بمناديل رهيفة تجاذبها وتلفها وتحاول أن تستوعب عريها الجسدي الذي تغلف بعضه بالمنديل بينما ظل بعضه عارياً يطلب النور والانعتاق، لكن المناديل لم تغلف الأعين الواسعة التي امتدت نظراتها وتطلعاتها امتداد المناديل وقد أطل الحزن في انكسار نظراتها المغلفة بالحنان إلى المثيل وإلى النصف الآخر  وإلى الفضاء.

كما تلمح الإطلالات الملونة الدالة على النشأة الأولى عندما كانت العيون النجلاء باتساعها وحورها تحلم بما هي فيه وليس بالألوان الصناعية الزائفة، كما لم تتحمل أجساد اللوحات بغير استدارة والتفاف المناديل، فالجسد والعين مثالان على البراءة المرتجاة فينا.

هذا لون من ألوان الإبداع الفني وقد أبرز من خلاله الفنان الخانجي بعض ما يصبو إليه من تطلعاته وأحلامه الملونة كما يبدو جلياً في لوحة (ثلاثية الوجود).

وقد كان اللون الغالب على اللوحات هو اللون البني وتدرجاته التي دلت على شفافية وعمق مثلما دلت على محاولة اتحاد الكل في الواحد واللون البني غالباً هو لون النشأة الأولى وفيه إيحاء بالعودة إلى الانطلاقة الأولى وهو ظاهر في معظم التكوينات اللونية كما في لوحة (تواصل الحياة) وفي تقديرنا أنه يمثل استمرارية العلاقة بين حب الفنان وكهولته ، الصبا الذي كانت أنامله فيه تداعب ذرات التراب وتحاول تشكيلها على هيئة تكوينات فنية تنتمي إلى عالم الطفولة البريئة ، حيث كان الجسد ينعم بالاستراحة على ذراته المرنة الرقيقة.

لقد قدم الفنان عبد المحسن من خلال اللون البني وتدرجاته الفنية مشاعر عاطفية جميلة ومؤثرة بتقاربها وتباعدها، فبدت بساطة وعمق نظرات شخوصها المسكونة بالحزن الجميل وقد كانت مسربة تحت جناح الحب وما يوحي به من تكامل يبدأ في الأرض التي تستقر عليها وينتهي في المطلق أو اللامحدود حيث تروده العيون كحلم بعيد المنال.

ولن نتحدث في مضامين كل لوحة على حدة حتى لا تفسد متعة المشاهدة المباشرة للمعرض الذي امتازت لوحاته بفضاء لوني شاعري رغم قتامة الواقع، لأنها مستقاة من فضاء روح ماثلته هفهفات منديل بدا جماله وليونته في معظم المساحات اللونية، وكانت المناديل رقيقة وتكاد لا ترى، شفافة كالروح.

فالفن جمال ومتعة وشاعرية وفائدة، وكل ذلك كان متحققاً في كثير من السطوح اللونية في معظم اللوحات التي امتازت بليونة الخط الذي ماثل ليونة الإحساس العاطفي المخيل قبل أن يكون ماثلاً للعيان على سطح اللوحة وقد حاولت بعض الشخوص المرسومة أن تخرج عن إطارها خروجاً واقعياً أو خروجاً نفسياً بدا في حركية بعض اللوحات التي قدمت حباً إنسانياً برز في حركات الريشة كما يريد لها الفنان أن تكون من خلال تجسيد وبناء لوني برز في شفافية ورؤية حزينة أطلت في مجمل العيون التي تعاني من حبها وعواطفها في هذا الزمن الضبابي.

وبعيداً عن كثير من الصيغ والمصطلحات الفنية كوظيفة الفن وطبيعة الفن والمتعة والجمالية المرجوة وغيرها يمكن أن يلحظ المشاهد أن اللوحات بعمومها سارت من الوضوح في الرسم إلى الضبابية في الهدف وقدمت ذواتها محلاة بشفافية فيها كثير من الغموض وكثير من الوضوح لأن بعض اللوحات كانت تعبر من مدارات الخفاء في محاولة من الفنان الخانجي الوصول إلى دفائن السر حيث انزياح العواطف البادية في التطلعات لكن الوصول إلى كافة مناحي فهمها يكون صعباً قليلاً على التلقي المباشر. المسطحات اللوزية  التي شغلت المعرض تدرجت من الجميل إلى الأجمل فاللوحة الجميلة تأسرنا أما اللوحة الأجمل فتحرر عواطفنا وتخرجنا من ذواتنا وتنقلنا إلى ذوات أخرى أكثر رحابة مثلما كان مع لوحة (تواصل الحياة والعمق المغني) التي استشرف من خلالها أفقاً آخر للجمال وقد بدا ملفوفاً بخمائل لونية وعطرية ملونة ومتضافرة مع نسائم الحلم اللوني البعيد وقد أخذتنا لوحة (الوجه الجميل) التي تراقص فيها اللون السماوي المتنازع مع انبعاثات الضوء الأثيري الذي منح المتأمل أفكاراً سرت من خلال انعطافاتها وعناصر تكوينها وحملت المشاهد إلى التحليق في عالم الروح وربما في عالم المطلق فهي لوحة يمكن أن تكون قصيدة ويمكن أن تلهم مقطوعة موسيقية ويمكن أن تكون لمحة تحلق مع جناح طائر أو رفرفة فراشة تلوح بالأمل المتناثر في فضاء الكون وهي لوحة تمثل تكامل الفنون بدت كذلك وهي تعانق الحزن بشموخ، إنها تنطلق من دوائر الوجود كحدث درامي يحمل إلى ما هو أعمق من النظرة الأولى لأن الفن ليس ما تراه العين فقط بل هو كامن في المسافة التي تجيء من نصاعة اللون متضافرة مع فاعلية العناصر المكونة التي يعبر عنها بخطوط وحركات توحي بمشهدية تنبعث من خيال دافق كما بدا في اللوحة التي امتزجت ألوانها بلون الأفق الذي انسكب على سطح الرسم بشفافية ليكون قماشها الأفق وإطارها الفضاء اللامحدود المطل على الأبدية وبدا مثل هذا في بعض اللوحات التي حاول أشخاصها الخروج من أطرها المكانية للخروج من واقعها والوصول إلى ما هو أبعد وكان الدافع إلى ذلك حب الحياة بتكامل ألوانها وفلسفاتها الدافقة وكان الفنان مدفوعاً بحب إنساني كبير وعاطفة بادية وقد حاول الفنان مزج الكل في واحد وهو انطباع تركته اللوحات التي توحي بواقعية رغم تباين حجمها وبعض موضوعاتها لأنها انطلقت من واقع معيش.

الحب العاطفي كما عبرت عنه الألوان والنظرات التي حاولت أن تكون بذاتها شيئاً وتعبر عن شيء آخر وهي متسربة في مسطحات لونية ذات مبعث واحد ودلالات عاطفية متقاربة بدا فيها الحزن منداحاً ومنطلقاً من العيون التي غلفها الحزن ولكنها لم تذرف الدموع، لقد غلف الفنان أجسام الشخصيات المرسومة بالمناديل الشفافة المماثلة للشفافية والنظرات وكانت الوجوه هي العنصر الأبرز الذي مرت من خلاله فكرة البناء اللوني وهي الوجوه التي حاولت اختراق الحصار الضمني أو الواقعي.

واللوحات بتكويناتها وفضاءاتها الفكرية وامتداداتها اللونية الواسعة حاولت الوصول إلى شيء كامن في النفوس البشرية التي تعيش في دوامات فكرية متواصلة تنطلق من الجسد وتحاول أن تتغلب على قهره لذلك فهي تعمره بالحزن وتسيطر عليه الحيرة التي تبحث بنظراتها عن تكامل مفقود.

يلاحظ أن الفترة التي فصلت بين المعرضين السابق ربيع 2016 والحالي صيف 2017 مثلت تصاعداً فنياً واضحاً في التعامل اللوني مع الفكرة المضمنة في الأطر الفنية الجميلة التي أطل منها الفنان الخانجي، وقد امتازت بالشفافية الآسرة والألوان الصافية بإيقاعاتها المتعددة وبخاصة في سيادة اللون البني وشفافيتها الجميلة التي أطلت على الأفق المرجو البعيد وهو أفق مرتبط بفكر حياتي يعيش في دوامة المنتدى بين الواقع الغائم والمأهول الجلي وقد جنحت بعض اللوحات قليلاً عن هذا المسار العاطفي كأنها كانت تشير إلى الفكر الذي يمكن أن تتكامل جزئياته في مشروع لوني قادم يفكر فيه الفنان عبد المحسن الخانجي  لقد عبرت اللوحات بكامل تكويناتها عن قضية هامة هي الحب والعواطف التي يعيشها الكائن الحي أينما كان ويكفي أن اللوحات حملت البصمة الخاصة للفنان الخانجي وأكدتها حتى لو جاءت غفلاً عن توقيعه الفني المعروف.

حلب
الكاتب: 
ابراهيم داود

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة