التراث والتاريخ وإشكالية الأهواء

العدد: 
14969
سبت, 2017/06/03

لم يستوقفني أبداً إقدام من تحركهم الأهواء على التصدي سلباً أو إيجاباً لتقييهم التراث أو التاريخ بشكل عام لأنني على يقين مسبق بأنهم يستهدفون الانتصار لنزعاتهم الشخصية مهما حاولوا التصنع بالموضوعية والعقلنة لأنهم سيبذلون قصارى جهدهم لإثبات ما تنطوي عليه أنفسهم من أهواء. لكنما يستوقفني كثيراً من لا ينجرفون وراء أهوائهم حينما يقدمون على ذلك. وأضرب مثالاً على ذلك في العصر الحديث: إقدام الدكتور شاكر مصطفى رحمه على إنجاز كتابه الرائع (القصة في سورية) إضافة إلى عدد من المؤلفات التي تصدى فيها للتاريخ العربي، فكان مثالاً مميزاً للموضوعية والعقلنة. وقد استهدفت الإشارة إلى جهوده النادرة في دراسته الريادية لتاريخ القصة في سورية ولإنجازاته الأخرى في تاريخنا العربي القديم قبل الإفصاح عن وجهة نظري في هذا الموضوع بتسارع كبير لأهمية المشار إليه في هذا الصدد.

حفل التاريخ البشري بالخرافات والأساطير كما حفل بالأكاذيب والبهتان والابتعاد عن دوائر المنطق المعقلن. وتاريخنا السوري القديم حافل بمثل هذه الترهات لأن من كتبوه كان معظمهم من الإغريق والرومان أو من تربوا على أيديهم من أوروبيين أو أمريكيين فحاولوا جهدهم أن ينسبوا مصابيح النور السورية إلى الآخرين. وأضرب مثالاً واحداً على ذلك: فالصيغ القانونية في التاريخ كله بدأت بشريعة حمورابي وتمت صياغة القوانين المدنية بعقول سورية قطعاً، ومع ذلك تسمى اليوم في العالم القوانين الرومانية وهذا قول فصل لا يحتاج إلى بينة أو برهان.

فماذا عن تاريخنا العربي؟

فيما يتعلق بما خطه المستشرقون وغير المستشرقين عن التراث والتاريخ العربي الإسلامي يكاد يكون في معظمه مجموعة من الأكاذيب وبهتاناً من بعده بهتان، باستثناء زوايا مشرقة منها: كتاب (إنسانية الإسلام) الذي أنجزه الباحث الفرنسي باسيل سوازار وما خطته المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه (شمس العرب تسطع على الغرب) إضافة إلى جهود الأديب والمفكر الألماني غوته في الديوان الشرقي للمؤلف الغربي وكتاب (الأبطال) للمفكر الإنكليزي توماس كاريل الذي حاول جهده إنصاف خاتم المرسلين محمد عليه وعلى النبيين السلام.

فماذا عن كتبة التاريخ العربي القديم الذي كان مصباحاً للبشرية جمعاء في القرون الوسطى وما يزال يمتلك كل إمكانيات التنوير والتجديد؟

أكاد أميل إلى القول: إن من حسن حظي أنني أمضيت سنوات طويلة في قراءة التاريخ السوري والإنساني عامة والتاريخ العربي الإسلامي خاصة، بدءاً بما كتبه الطبري والمسعودي واليعقوبي وابن الأثير وابن كثير وابن خلدون إضافة إلى كتب التراجم كطبقات ابن سعد وسير إعلام النبلاء للذهبي وما خطه ياقوت الحموي وسواهم. ولطالما كنت أحتج أحياناً وأشعر بخيبة أمل أحياناً أخرى. فمن المعروف أن تواريخ الأحداث والتراجم للأشخاص كانت تعتمد على الروايات المتعددة المستندة إلى الاستماع من رواة آخرين. وبطبيعة التركيب البشري كل الرواة لهم ظروفهم التي تخضع للنسيان والعواطف والأهواء والملل والانفعال والتفاعل بما يضفي على الرواية اغتراباً عن الموضوعية أو الابتعاد عن الحقيقة الواقعية. ففريق كبير من الرواة يضخمون الحدث لتلاحمهم معه وفريق آخر يقزمونه لعدائهم له، وبشكل نجد فيه أنفسنا في دوامة بين المضخمين والمقزمين وهذا قد يؤدي إلى التحريف سلباً وإيجاباً بما ينأى بالقارئ عن الحقيقة الموضوعية إزاء الشخص المترجم له أو الحدث المكتوب عنه.

وهذا ما يضعنا أمام تاريخ محشو بالزيادات حيناً ومنقوص من بعض الحقائق الهامة حيناً آخر، مما يتطلب الرتق والنخل والغربلة في معظم الأحيان. لكن هذا لا ينفي أن التاريخ العربي الإسلامي من أكثر التواريخ البشرية دقة والتزاماً لأسباب عدة، على رأس الهرم منها: لوائح القيم التي تظلل كتاب التاريخ الإسلامي من خلال المصباح الذي يضيء لهم الظلمات المتمثل بالقرآن الكريم.

وانطلاقاً مما تقدم تقع على عاتقنا مسؤولية إعادة النظر في تاريخنا وتراثنا بعيداً عن التحزبات والطائفيات وكل العوائق التي تحول بيننا وبين الموضوعية، وتحري الحقيقة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً وخاصة فيما يتعلق بالأخطاء الكبرى وعلى رأس الهرم منها تضخيم الحدث أو تضخيم الشخصية المحورية التي يتم الحديث عنها استمساكاً بالحيادية الممكنة وهذا أمر جلل وأيم الله، لأنه ليس بإمكان المرء أن يكون حيادياً إلا بالانطلاق من النظرة العلمية والتوجه العقلاني والانصياع للوائح القيم وأمثال هؤلاء قليلون على طول امتداد التاريخ .

لقد فرض علينا كتبة التاريخ من الأجداد قداسات ما أنزل الله بها من سلطان، فالقداسة لمن أسقطت عليه السماء القداسة فقط، والآخرون تطلق عليهم أحكاماً موضوعية بمزيد من العقلنة والدقة معاً.

وما زلت أذكر إبان دراستي لوحدة الوجود في الفلسفة والتصوف الإسلامي أنني وجدت نفسي وجهاً لوجه حيال هذه الإشكاليات الكبرى، وعلى رأس الهرم منها إشكالية القداسة إزاء هذه الشخصية أو تلك، وهي في منطق الوحي أبعد ما تكون عن القداسة، وحتى في منطق العقل فإنها أبعد ما تكون عما زعموا لها من كرامات لم يصلها أحد في كل مطاوي التاريخ البشري، كالحلاج الذي راح الدم السائل من جسده يسطر (لا إله إلا الله) وابن عربي وما نسبوا له من أكاذيب. علماً أنني أحترم كلاً من الحلاج وابن عربي لخوضهما غمار التجربة الصوفية بتفرد لا مثيل له وخاصة ابن عربي الذي كان صاحب الصياغة النهائية لنظرية وحدة الوجود في التاريخ الإنساني.

وسأضرب مثالاً على الكرامات الخارجة عن كل دروب العقلنة فيما ما نسب إلى شيخ الطريقة النقشبندية شاه نقشبند وهو من أبناء القرن الثامن الهجري فيزعمون أنه قال: إن الصوفي الحقيقي هو الذي يمد يده من أقصى المشرق ليغطي مريده النائم في المغرب إذا كان الطقس بارداً.

ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى إعادة النظر في تاريخنا وتراثنا من كل الأزمنة السابقة وهي مهمة شاقة لكنها ليس مستحيلة بعد أن رأينا وعانينا مما كنا نظنه مستحيلاً بأن يضرب بعضنا رقاب بعض جراء الفتنة الهوجاء التي اخترقت الجغرافيات العربية والإسلامية مستهدفة أن تكون كالريح الصرصر التي اجتاحت قوم عاد وهذا ما أراده لها مهندسوها ممن اخترقونا بكل الأساليب وبطريقة غير مسبوقة على طول امتداد الأحقاب لنغتال أنفسنا بأيدينا.

ولكننا تماسكنا وما زلنا نتماسك بفضل الله ونعمته سعياً إلى الخروج من ظلمات الفتنة وصولاً إلى بساتين الأمن والسلام التي لا يمكن افتتاح أبوابها إلا بأبجديات الحب.

وإعادة النظر في التاريخ والتراث لا تقل أهمية عن إعادة النظر في واقعنا المتأزم وتاريخنا المعاصر الملغوم بصيغ التآمر والأهواء. ومن صاغوا التراث والتاريخ هم بشر مثلنا يأكلون ويشربون ويتحابون ويتنافسون ويحقدون بحكم تركيبهم البشري وبحكم المنازع والأهواء، فما علينا إلا رفع تحية الوداع للمنازع والأهواء استدراكاً لكل أو بعض ما نحن فيه برؤية مجددة للتاريخ ورؤية وردية إلى بعضنا البعض والى البشرية المتناثرة في كل الجغرافيات .

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة