المنطق العلمي في القرآن

العدد: 
14977
أحد, 2017/06/11

العلم لغة : يدل على أثر بالشيء يتميز عما سواه أو عن غيره وهو إما قصدي وضع لشيء بعينه أو اتفاقي صار علماً بكثرة الاستعمال والاتفاق العام عليه. وهو الإدراك المطلق سواء كان تصوراً أو تصديقاً يقينياً أو غير يقيني ويطلق عليه (الإدراك الكلي) وهو أحد أشكال الوعي العام عبر مطاوي التاريخ. وتكمن قوة العلم في تعميماته بحيث يمتلك صياغة تحددها قوانين صارمة على صعيد العلوم الوضعية أما على صعيد العلوم الإنسانية كعلم النفس وعلم الأخلاق فلا تخضع لهذه القنونة المطلقة بينما يعتبر العلم الإلهي أرقى العلوم ولا يمكن حصره بمقولات دقيقة إلا من خلال الوحي الإلهي الذي تنزل به جبريل على الرسل والأنبياء.

والعلم مرادف للمعرفة إلا أنه يتميز عنها بأنه مجموعة معارف تتصف بالوحدة والتعميم وهذا يعني أنه أخص من المعرفة فالله عز وجل عالم بإطلاق أما الإنسان فقد يكون عالماً وقد يكون عارفاً بشكل نسبي.

والعلوم نظرية وعملية فعلمنا بالله يغدو عملياً بتوحيده والانصياع لأوامره وعلمنا بالأشياء يتعزز بتطبيقها عملياً كما في علوم الفيزياء والكيمياء أما في العلوم الإنسانية فيكون بتحويلها من النظري إلى التفاعل الحيوي كعلم النفس وعلم الاجتماع وأنصح بمراجعة معجم مقاييس اللغة لابن فارس والكليات لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي والمعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا.

والعلم نظري كالعلم بما في هذا الكون من موجودات مختلفة أحياء ونبات وجماد أما العلم العملي فهو لا يحقق حضوره إلا بالتطبيق الفاعل كالعبادات بالنسبة للمؤمنين وممارسة معارفهم على أرض الواقع كالعلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية كما أنه عقلي وسمعي وإن كان يتضمن أصلاً واحداً كالإعلام الذي يعتبر إخباراً سريعاً. أما التعليم فهو التأثير في بنية التركيب النفسي للمتعلم بكل الطرق الممكنة ولهذا يركز على تنبيه النفس للفرد والجماعة على التصور الأعلى للمعاني نحو قوله تعالى: (الرحمن علّم القرآن) آية 1-2 من سورة الرحمن وقوله تعالى: (وعلمتم ما لم تعلموا) آية 91 الأنعام وقوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) آية 31 البقرة. وأنا أميل في تفسير هذا النص القرآني إلى أن رب العزة وضع بطريقة نجهلها أبجديات الأشياء التي يحتويها الكون والتي يتألف منها في سيدنا آدم إذ يستطيع فريق من ذريته اختراقها وهؤلاء هم العلماء المتبحرون، كأن يكتشف هذا العالم أو ذاك نظريته التي أقامها أساساً على فرضية ما وصولاً إلى صياغتها ، وهذا ما يتم في كل الظروف والملابسات ولدى كل الأمم التي يتوافر فيها علماء يركزون على هذا الجانب المعرفي أو ذاك في ميادين العلوم النظرية والعملية معاً.

وهنالك علوم غير مرئية وخفية على كل إنسان وأعني بها العلوم اللدنية حيث ضرب لنا القرآن مثلين على هذه العلوم الخفية:

1-قصة نبي الله سليمان الحكيم وملكة سبأ في الآيات 38-40 من سور النمل قال تعالى: (قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم).

2-قصة نبي الله موسى والعبد الصالح التي تضمنتها الآيات 60-82 من سورة الكهف وسأشير إلى الآيات التي تتمركز على ما أستهدفه من هذه الرؤية المتواضعة يقول تعالى: (فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً) إذن العبد الصالح الذي رافقه موسى عليه السلام منحه ذو الجلال والإكرام علماً خفياً ولهذا قال لموسى إنك غير قادر على الصبر معي لأنك سترى مني ما لا تطيق وكيف يطيق صبراً على ما لم يعهده في حياته وما يتجاوز منطق العقل وما ألفه في الظاهر؟! ومع ذلك وعده بالتسلح بالصبر لكنه لم يفلح كما تعلمون ، يقول تعالى: (فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً)آية 71  فكان أول فعل قام به العبد الصالح هو خرق السفينة فاحتج موسى ومن حقه الاحتجاج في العلوم الظاهرة لكنما ليس من حقه الاحتجاج في دوائر العلوم الخفية التي لا يعلمها إلا رب العزة، وتابعا المسير يقول تعالى: (فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً) آية 74 وهنا تجاوز الاحتجاج إلى اتهامه بالخروج عن الشرع وكل أنواع القيم الدينية والأخلاقية ولم يتوقف العبد الصالح عند هذا الحد وتابعا المسير يقول تعالى: (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً) آية 77 وهنا تساءل عن هذا الموقف النبيل مع أهل القرية الذين تركوهما جائعين ومع ذلك يسارع العبد الصالح إلى إعمار الجدار الذي أوشك على التهدم وكان بإمكانه إعماره مقابل طعام يسد رمقهما ، وهنا قرر إنهاء الصحبة لكنه قبل الوداع أوضح لموسى الأسباب  الخفية التي دفعته إلى ما فعله، فقد خرق السفينة كيلا يصادرها ملك ظالم جشع كما أنه قتل الغلام الذي سيكون شقياً في علم الله ومنهكاً لأبويه وذو الجلال والإكرام سيمنحهما طفلاً آخر يمتلك سمات الصلاح والتقوى ويكون باراً بهما.

وقام بإعمار الجدار لأنه يحتضن كنزاً في داخله حتى لا يتهدم قبيل بلوغ الغلامين سن الرشد كي يقوما بهدمه ويستخرجا كنزهما الذي تركه لهما أبوهما أو جدهما.

والسؤال الذي يطرح نفسه: من هو العبد الصالح الذي رافق موسى؟ ومن هو الذي عنده علم من الكتاب والذي جاء بعرش بلقيس من اليمن السعيد إلى الجنوب السوري في بيت المقدس؟

هنالك مقولة يتناقلها المفسرون جيلاً بعد جيل تقول: إن العبد الصالح الذي رافق موسى هو الخضر الذي شرب من عين ماء الحياة فطال عمره آلاف السنين ولكن كتابي الله (المقروء والمخلوق) ينفيان هذه المقولة الأسطورية كلاً وتفصيلاً وفقاً للقرآن الكريم إذ يتنافى ذلك مع نصوصه المحكمة لقوله تعالى مخاطباً الرسول الخاتم في الآيتين من سورة الأنبياء 34 ـ 35: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون كل نفس ذائقة الموت ونبلوهم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) وبذلك يسقط الزعم القائل بأنه الخضر عند أتباع القرآن ومارجرجس عند أتباع التوراة والإنجيل لأنه يتناقض مع كتابي الله المخلوق والمقروء على السواء.

وحوار العبد الصالح مع موسى يؤكد أنه يعلم الغيب، والغيب خاص بالألوهية إلاّ من ارتضى من رسول كما جاء في الآيات 26ـ 28 من سورة الجن : (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً، إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ليعلم أن قد بلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عدداً).

وهذا خاص بالمرسلين كما هو واضح من النص، والخضر ليس رسولاً على الإطلاق.

فمن هو رفيق موسى عليه السلام؟!

أكاد أميل إلى القول بأن من وصفه رب العزة في الآيات 19ـ21 من سورة التكوير (إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين) أي جبريل عليه السلام لأنه هو وأعوانه من يتاح لهم الاطلاع على كتاب الله الخفي المتضمن كتابي الله المرئيين القرآن والكون. وإذا علمنا أن جبريل هو الذي رافق موسى عليه السلام والله أعلم فسوف يقودنا التدقيق إلى أن من أتى بعرش بلقيس إلى نبي الله سليمان هو جبريل عليهما السلام كما أوضحت في دراسة سابقة بعنوان (من نبي سليمان إلى بلقيس ملكة سبأ .. الهدهد الذي غير مجرى التاريخ) أما فيما يخص التساؤل الوارد فيما يتعلق باستطعامهما أهل القرية، إذ إن جبريل والملائكة لا يقتاتون الطعام فكيف طلباه؟! فأنا أسارع إلى القول: لقد تم السؤال لإطعام موسى ولو قدم لهما الطعام لامتنع جبريل عنه لكنما جوهر الموضوع أن جبريل يعلم أن طلبهما لن يتحقق وذلك لاطلاعه على الغيب فيما يتعلق بهذا الموضوع والله أعلم.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة