الإدمان الإعلامي التحدي الأكبر .. فماذا نحن فاعلون ؟!

العدد: 
14984
أحد, 2017/06/18

عندما بدأت الصحف العربية بالصدور في منتصف القرن التاسع عشر في سورية ولبنان ومصر كانت تسمى بصاحبة الجلالة لأنها نافست السلطات الأساسية في الدولة وهي السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية.

وكانت تلعب دوراً هاماً في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتسهم في نشر اللغة العربية وتراقب السلطات الثلاث وتنتقد وتصول وتجول وكلمتها مسموعة ونافذة في المجتمع ولذلك قيل:

إن حروف المطابع تصب من الرصاص وكذلك لها قوة وتأثير الرصاص.

وعلى الرغم من قلة عدد المثقفين الذين يحملون شهادات متوسطة وندرة أصحاب الشهادات الجامعية إلا أننا نجد أن هناك عدداً كبيراً من تلك الصحف وتعد بالعشرات وذلك في مدن حلب ودمشق وبيروت والقاهرة.

وهذا الإعلام المقروء الورقي كان وما زال إلى تاريخه له أثر هام في الحياة وله ذكريات ورواد لا يمكن أن يعزفوا عن القراءة العادية. وإننا لا نلوم الإدمان على القراءة رغم ضعف دورها في الوقت الحاضر.

ففي بداية القرن العشرين ظهر الإعلام المسموع عن طريق السماعات (الغرامفون) والأسطوانات الغنائية والمسارح الهادفة والإذاعة وتأسست الإذاعات في القاهرة ودمشق والقدس وبغداد وكانت أمواج الأثير تقطع حواجز الدولة الواحدة وكان تأثيرها قوياً على الجمهور ولها روادها والمدمنون على الاستماع إليها من الصباح الباكر مع انطلاق إشارتها المعهودة لبدء الإرسال ثم تلاوة القرآن الكريم والنشيد الوطني وحتى انتهاء الإرسال بالشارة المعهودة والنشيد الوطني للدولة صاحبة الإذاعة وهو رمز سيادتها وقوتها.

وفي الأربعينيات من القرن الماضي دخلت السينما الصامتة ثم الناطقة بشاشتها الفضية الكبيرة ونجومها ومطربيها وطقوسها العائلية المحترمة ولذلك ظهر بعض المدمنين على السينما في المجال الثقافي والقصصي والروايات والدراما وخاصة في سورية ولبنان ومصر التي كانت المنتجة شبه الوحيدة للسينما العربية والتي نشرت اللهجة المصرية المحببة في الدول العربية كافة.

وظهر في تلك الفترة كتاب سيناريو وكتاب روايات سينمائية وكتاب الأغاني العاطفية والوطنية والقومية وكان أغلبهم من الشعراء والمحامين وأساتذة اللغة العربية ونذكر منهم على سبيل المثال: عبد الوهاب محمد وأحمد رامي وبيرم التونسي وعلي محمود طه ومن السيناريست: أبو السعود الأبياري وقد تنطع بعض الملحنين والمطربين لتأليف الأغاني.

وبعد منتصف القرن العشرين ظهر التلفاز بلونيه الأبيض والأسود وسمي بالشاشة الصغيرة وقد نافس الشاشة الكبيرة باقتدار ولكنه ظل حكراً لفترة عقد من الزمان على الطبقة الميسورة والمتوسطة لفترة عقد من الزمن حيث كان يجتمع عندهم الأهل والأصدقاء والجيران في البناية الواحدة.

وبعد أن انتشر التلفاز في كل منزل وأصبح إرساله بالألوان الطبيعية تبين أنه الأكثر إدماناً ليملأ أوقات الفراغ لكل الأعمار فالصغير يتعلم منه القراءة واللغات والكهل يرى أنه الصديق الذي يخلصه من الضجر والعزلة فلا يطفئه على سبيل الاستئناس به.

وإذا تعطل التلفاز أسرع إلى إصلاحه وهو بالنسبة إليه أكثر أهمية من أخيه وصديقه وزاد هذا الإدمان بعد التسعينيات وتركيب لواقط الأقمار الصناعية.

وبذلك غطى الأحداث السياسية والثقافية والرياضية والاقتصادية وأخبار المال ورجال الأعمال وعوالم البحار والمحيطات والأدغال والبراري القفار.

وبحسب القناعة فإن القنوات الفضائية التي سخرت للتضليل والفبركة الإعلامية وسفك الدم العربي كان لها أبعد الأثر فيما يسمى (بثورات الربيع العربي) وهي التي دمرت البلاد وقتلت العباد وهجّرت الملايين وأحالت أعداداً هائلة إلى معوقين جسدياً ونفسياً ويتمت الأطفال الصغار ورملت النساء لمدة تزيد على سبع سنوات ولم يسلم من أذاها أحد وكان البعض منساقاً إليها بسبب التشويق وخلط السم بالدسم والإخراج والسيناريو المنمق الذي تفتقر إليه القنوات الرسمية عامة في الدول العربية.

وللأسف الشديد ورغم رفع الغمامة والغشاوة عن بصر وبصيرة المواطن الواعي العادي فما زال البعض يتابعها ويقتنع بما جاء في أخبارها. وأمام هذا التحدي الكبير ظهرت المواقع الالكترونية ودخل الانترنت بيوتنا أو ما يسمى الشبكة العنكبوتية عبر شبكات التواصل الاجتماعي وأصبح الشاب جسداً بيننا وروحاً وعقلاً في رسائله الالكترونية وبريده الافتراضي وكان المثل السابق (الصاحب ساحب) ولكننا الآن أمام مجموعة من الأصحاب ولكل منهم يسحب إلى جهة معينة.

وهذا التطور العلمي لا يمكن أن نقف ضده ولكن يجب مراقبته من قبل الأسرة والمدرسة والحكومة رغم الحرية الشخصية.

فإلى أين تتجه الأسرة العربية سواء كانت من ذوي الدخل المحدود أو غير المحدود فالكل يمتلك منظومة التواصل الاجتماعي حتى الطفل وقبل دخوله إلى المدرسة.

إننا أمام إدمان من نوع غير مسبوق، إنه أخطر تحد أمامنا ويجب أن نقبل التحدي وألا ننهزم.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
المحامي مصطفى خواتمي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة