المنطق العلمي في القرآن 2-2

العدد: 
14984
أحد, 2017/06/18

فالعلم الإلهي اللدني الغيبي الذي لا يعلمه إلا الله وقد أطلع جبريل على بعضه كما يتضح من قصة جبريل مع موسى وإحضاره لعرش بلقيس , كما أطلع الله رسله على جانب من هذا العلم الإلهي ولكن الله وحده فوق كل ذي علم كما ورد في الآية 76 من سورة يوسف (( وفوق كل ذي علم عليم )) لكنما العلم درجات للعباد لقوله تعالى في الآية 11 من سورة المجادلة (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) تأكيداً على فضل العلم والعلماء وعلى ذم الجهل والجهلاء وتوصية بنشر العلم وتحذيراً من الجدال بغير علم وقد أشار في سياقاته العامة إلى بعض الحقائق العلمية كالتفجر الكوني المبدئي كما أوضحت ذلك في دراسة بعنوان(الكون بين القرآن والعلم) وأشار إلى غزو الفضاء كما بينت في دراسة بعنوان (القرآن والعلم والتواصل مع سكان الفضاء ) إلى آخر ما هنالك ، واتضح لي بما لا يقبل الجدل أن العلم هو أرقى درجات العبادة للواحد الأحد إن لم أكن مخطئاً وأرجو من ذي الجلالة والإكرام أن أكون مصيباً في تقديري ليكون لي أجران بفضل الله كما أشار إلى ذلك الرسول الكريم صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه.

وأقدم لكم نصاً قرآنياً يؤكد ما ذهبت إليه في خواتيم سورة آل عمران آية 190 ـ 191 : (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار) وأسارع إلى الإشارة إلى أن عبارة (أولي الألباب) وردت في كتاب الله المقروء 16 مرة في مواقع حساسة وذات أهمية بالغة الدقة . والنص في منتهى الوضوح مع التأكيد على أن التأمل في كتاب الله المخلوق (الكون) والتفحص في أبجدياته الظاهرة والخفية والتبحر وتفسير ما فيه هو من عمل أولي الألباب.

 والنص يحرض على البحث العلمي وصولاً إلى نظريات في العلوم الطبيعية في الميادين الجيولوجية والعضوية بما في ذلك فيزياء الفضاء وفيزياء الصغائر ولهذا أجدني وجهاً لوجه أمام كل العلماء من ابن خلدون وصولاً إلى ماكس بلانك (1858 ـ 1947) مؤسس ميكانيك الكم إلى ألبرت أينشتاين(1879 ـ 1955/ مكتشف النظرية النسبية . وجراء استبصاري في النص القرآني في سورة آل عمران المشار إليه سابقاً اتضح لي أن العلم هو أرقى العبادات.

ولهذا كنت أبداً أجل العلم والمتعلمين والعلماء وكنت من رواد فندق ومقصف السياحي أذهب إليه لاحتساء قهوة الصباح وقراءة الصحف ومما حدث معي أنني قرأت خبراً ذات يوم عن سيدة إنكليزية تخرجت من الجامعة في الثالثة والسبعين من عمرها فقدمت لصورتها تحية إجلال ونسيت اسمها وفي توقيت آخر قدمت التحية نفسها لرجل تايلندي تخرج من الجامعة وهو في الثامنة والثمانين من العمر وهو يونغ سانغون سونتور يونغ وأضافت الصحيفة التايلاندية: إنه قال في حفل تخرجه (سأمضي في دراستي حتى آخر يوم في حياتي) وفي كل مرة كان يسألني الحضور عن سبب رفع يدي بالتحية ولمن أوجهها، فكنت أجيب: احتراماً وإكباراً للعلم ورواده. وأذكر فيما أذكر أن الإمام الجليل عبد الله بن المبارك من أبناء العصر الإسلامي الأول التقى به رجل في الصباح وقال له: يا ابن المبارك لوجاءك ملك الموت وقال لك سأقبض روحك عصر اليوم فماذا تفعل؟ فأجابه ابن المبارك: أقوم بطلب العلم.

وهذا هو المنطق لبناء الإنسان وتحقيق حضوره الاجتماعي الحضاري والكوني في مطاوي التاريخ . من أجل هذا قدم رب العزة أبجدية العلم للمرسلين الذين اصطفاهم ولهذا حينما يصطفي الله عبداً لحمل رسالته يؤتيه علماً وحكماً لأن العلم هو الحجر الأساسي لبناء مجتمع يتلقى الرسالة لهذا كان دعاء الرسول المصطفى كما جاء في محكم التنزيل ( وقل رب زدني علماً) وكل أتباع الأنبياء يدركون أن ذا الجلال والإكرام طلب من الملائكة السجود لآدم تكريماً له وحينما احتج الملائكة احتجاجاً استفهامياً علّم الله تعالى آدم الأسماء كلها أي أبجدية الأشياء فانصاعوا لأمره طوعاً.

وكان أول خطاب سماوي لسيدنا محمد : اقرأ والتي تعني له وللمؤمنين جميعاً أن على المؤمن التعلم ما دام حياً لهذا وردت مفردة العلم ومشتقاتها في آيات الذكر الحكيم حوالي800 مرة خص فيها العلم بكل فروعه ومن هذه الآيات : لعلهم يعقلون – لعلهم يفقهون ... وذلك لتدبر كتابيه المرئيين (كتابه المقروء وكتابه المخلوق) تدبراً عقلياً والانتقال من التدبر إلى التطبيق العملي لقوله تعالى : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء) آية 35 سورة فاطر وقوله ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) آية 43 سورة العنكبوت والتساؤل التقريري في قوله تعالى: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) آية 9 سورة الزمر .

هذا على صعيد الربوبية أما على صعيد الحياة فإننا ندرك أن الأمم والشعوب لم تحقق نهضتها إلا بالعلم وهذا ما تؤكده الحضارات كلها التي لم تنهض إلا بالعلم في كل فضاءاته وهذا ما أكدته الحضارات الأولى في الهلال الخصيب قبل الإسلام كالحضارات الفينيقية والبابلية والآشورية والكلدانية ومن بعدها الحضارات الصينية والهندية والإغريقية والرومانية والعرب لم يطرقوا بوابة التحضر إلا بعد نزول القرآن فجاءت الحضارة العربية التي نعيشها اليوم ترفاً ومعاناة على السواء لأن الغرب السياسي يحقق لنا ولكل العالم الثالث معاناة ما بعدها معاناة كما أن الغرب العلمي والأدبي والفلسفي والاجتماعي حقق رفاهية مذهلة لفريق من أبناء الشرق أو الجنوب حسب مصطلح الغرب السياسي. ومن معطياته السلبية إلى حد السرطنة تلك الفتنة التي أججها وما زلنا ندفع ضرائبها الوحشية والتي هندستها الصهيونية العالمية ووظفت لها الغرب كله وفريقاً كبيراً من أبناء الجغرافيات العربية والإسلامية.

 وفي هذه الوقفة أروي لكم ما حدث معي منذ ربع قرن تقريباً: في جلسة دافئة مع أستاذ جامعي محصن بثقافة عالية علاوة على كونه من أساطين الأدب العربي في النصف الثاني من القرن العشرين وهو ناقد مميز إلى حد الذهول روى لي ما أسره إليه أحد معارفه قائلاً: إنه التقى مع الباحث محمد أركون في العاصمة الفرنسية باريس لأكثر من مرة بحكم الصداقة التي تربطهما وفي إحدى الجلسات الودية وبينما كانا يتعاطيان كؤوس الخمرة قال له محمد أركون بارتعاش: لسوء الحظ إن إسرائيل تدفع لي أكثر من العرب والمسلمين أليس هذا عجباً؟

فقلت لمن كنت أجالسه: إن هذا الأمر لا يثير شيئاً في نفسي لأنني على معرفة بالخط العام لمحمد أركون وبالمناسبة لا أقرأ له كتاباً إلا بشق النفس وحينما أنهي آخر صفحاته أتنفس الصعداء لأنني على قناعة بأن محمد أركون ليس عربياً ولا إسلامياً ولا علاقة له بالقرآن كما لا علاقة له بالفكر والحكمة فهو والجاهلية سواء.

وتابعنا حواراتنا الدافئة إلى أن قال لي: إنك تتحدث دائماً عن الإعجاز الإلهي في الكون والقرآن وبالمناسبة قال لي أحد المختصين بالدراسات الأدبية والفنية: يوجد في القرآن سورة كاملة لا تتضمن إعجازاً بيانياً ولا علمياً على الإطلاق إنها سورة المسد (تبت يدا أبي لهب وتب) فقلت له: قد يكون ذلك صحيحاً فأنا لست مختصاً بالعلوم البيانية وقد لا تتضمن إعجازاً علمياً على الإطلاق لكنها تتضمن إعجازاً غيبياً لا يعلمه إلا عالم الغيب والشهادة.

فقال لي: هاته يا صديقي، فقلت: أنزلت سورة (المسد) في العام الثالث للبعثة النبوية حينما خرجت الدعوة من كهوف السرية إلى الإعلان على الملأ ودعاهم إلى الايمان بأنه النبي المرسل وكان أحد الحضور عمه أبو لهب فقال للنبي: (ألهذا دعوتنا!  تباً لك) فأنزلت سورة المسد للتخفيف عن معاناة الرسول إزاء هذه الصدمة المنكرة من عمه ولتأكيد حدث غيبي بأن أبا لهب مات بالجذام بعد غزوة بدر أي بعد مرور أكثر من عشر سنوات على الحادث المشار إليه ولم يخطر بباله ولا ببال من كانوا معه أن يقولوا له: أعلن إسلامك ظاهراً فتظهر أكذوبة ابن أخيك فيرتد عنه من يرتد.

بقيت لدي الإشارة إلى أن هذا القرآن يتضمن علوماً ومعارف مستقبلية كما هو واضح في سورة ( المسد ) وفي آيات كثيرة كقصة السيدة مريم العذراء وابنها عيسى عليه السلام وغيرها كثير .

لكن ذلك كله لم يكن ولا ينبغي أن يكون لأنه لو تم لأحدث بلبلة لدى فريق من المسلمين ولأن ذا العزة كما أحكم هندسة كتابه المخلوق (الكون) فقد أحكم هندسة كتابه المقروء (القرآن).. وهندسته مطلقة .. لا تبديل لكلمات الله.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة