مختبر الجامعة يكشف أسرار " اللبنة " .. رواج كبير للمواد الغذائية مجهولة المصدر والصنع .. وصحة المواطن خارج حسابات الجميع .. المطالبة بإحداث مختبر خاص بالرقابة التموينية

العدد: 
15000
ثلاثاء, 2017/07/04

من قصة اللبنة  نبدأ :

أبدأ بما رواه لي أحد الأصدقاء وهو دكتور في جامعة حلب حيث قال : " اشترى صاحبي كيلو لبنة من (الجميلية) بمبلغ 1200 ليرة سورية.. عندما وصل الى البيت تناول اللبنة بزيت الزيتون ..قال لي لم اشعر بطعم اللبنة البلدية التي نعرفها فيها.. كان هذا في 27حزيران الحالي.

شعر بالنعاس على غير عادته.. وزوجته أيضاُ..

تحدث معي. طلبت منه تصوير اللبنة التي اشتراها. و.. وبالتدقيق في الصور وجدنا ان فيها لوناُ مائلاً قليلاً الى الصفرة قد لا يلاحظه المواطن العادي في ضوء النهار. سأل البائع فقال له أنها لبنة بقر. لهذا تميل الى الصفرة. طلبت منه ان يحفظها في البراد جيداً ليحضرها معه الى مخبر الجامعة.

وهنا يقول قمنا بتحليل اللبنة الموثوقة التي تعتبر من أغلى الأنواع في السوق. وكانت المفاجأة:

المكونات: ليستين ( مادة لزجة تساعد على تجانس الخليط المتضارب " ماء وزيت" ) جلاتين كمصدر بروتين.. وزيت نخيل كمادة دسمه ، وماء ، والباقي (38% ) كربونات الرصاص ( سبيداج بدلاً من الحليب ) و الإسبيداج هو مادة تستخدم قديماً للدهان في الدول المتخلفة ، وهي مادة سامة تسبب قصوراً كلوياً ومشاكل خطيرة في الكبد والدماغ والقلب والجهاز العصبي اللامركزي والجهاز التناسلي.

ويوجه أسئلة للسلطات المختصة .. هل هي على علم بما يباع في الأسواق؟

أم أن الحرب تمثل فرصة ذهبية لتجار الحروب؟

هذه اللبنة من أغلى الأنواع فكيف إذاً بالأنواع الرخيصة التي يتناولها الفقراء والاطفال؟

وماذا عن الحليب ومنتجاته للأطفال والكبار منها البوظة والحلويات والبسكويت والشوكولا البيضاء وغيرها ..برسم وزارة الصحة والتموين للملاحقة ... "

اذن .. تعد المواد الغذائية المجهولة المصدر والتصنيع الأكثر خطورة كونها تؤثر على حياة المواطنين بشكل مباشر وعلى الأطفال تحديداً في ظل عدم وجود اجراءات حاسمة تضع حداً لشبكات التهريب التي تستغل خروج عدد من المنافذ الحدودية لتقوم بتجارتها غير الشرعية.

وتمتلئ الأسواق بحلب بكميات كبيرة من السلع المهربة، وخصوصاً المواد الغذائية، معظمها من الأنواع الرديئة، أو منتهية الصلاحية حيث تكتظ الأسواق بمختلف أنواع المعلبات، كالسردين، والتونا، والمارتديلا، والزيوت المهدرجة، ذات الماركات المجهولة، بالإضافة إلى أنواع الأسماك المثلجة، ولحم العجل ، ومعظمها مجهول المنشأ، وغير صالح للاستهلاك البشري وتباع في الأسواق العامة، والأسواق الشعبية، مع غياب كامل للرقابة الصحية والتموينية.

كما أن مسألة تهريب الحليب المجفف " البودرة" تؤرق الشارع السوري، خاصة وأنها تتكرر باستمرار وتكون عادة غير صالحة للاستخدام البشري.

إلا أن الاجراءات حتى الآن غير كافية للحد من دخول المواد المهربة التي تشكل غزواً حقيقياً للأسواق في حالة من الفلتان ما يستدعي مناشدة الجهات المعنية لضرورة كبح جماح هذا الفلتان .

بديل مقبول في ظل الغلاء

تتميز هذه المواد بانخفاض أسعارها، مقارنة مع السلع المراقبة، والتي دخلت إلى البلاد بطريقة نظامية، وتحظى بإقبال الفقراء على شرائها.

وحسب آراء الشارع التي رصدتها الـ " الجماهير " بينت احدى المتسوقات أن هذه المواد بديل مقبول، وتشكل وجبة غذائية رخيصة الثمن، تغني عن طبخة منزلية، في أغلب الأحيان، مع انعدام السيولة الكافية لدى الناس لشراء اللحوم الطازجة.

وعبّرت الحاجة "فاطمة " عن ذلك بقولها:" أشتري لحم العجل المثلج المفروم، وبضعة أنواع من المعلبات، تكفيني مع زوجة ابني، وحفيدي أسبوعاً كاملاً، ولا نستطيع شراء لحم الغنم .

ويرى أخر في اقتناء المواطن للمواد المهربة خطراً عليه وذلك لجهالة مصدرها .

وهناك من قال : المنتجات المهربة نرى فيها جودة أفضل من المحلية والمستوردة بصورة نظامية ، ونرجو أن يكون عندنا اهتمام بالبضاعة الوطنية من حيث التصنيع حتى تكون منافسة للبضائع المهربة.‏

رأي التجار :

وقد سألت بعض التجار وبعض الراسخين في العلم عن هذا الأمر فأجابوا أن الحكومة كانت قبل الحرب تعاقب من كان يغش السمن بضبط جميع ما عنده منه وإتلافه أمام عينيه وعلى مرأى سائر التجار تأديباً له وعبرة لهم .

حماية المستهلك :

باسل دملخي رئيس دائرة حماية المستهلك في مديرية التجارة الداخلية بين لـ " الجماهير " أن من أهم معوقات عملهم عدم وجود مختبر لفحص العينات مما يضطرهم للتعاون مع مختبر الجامعة .

مشيراً إلى أن كلفة التحليل الواحد تصل الى 100 ألف ليرة حسب نوعية المادة المراد تحليلها ..

وبين أن الرقابة التموينية تقوم بسحب عينات بشكل يومي من خلال جولتها على الأسواق ويتم إحالة المخالفين الى القضاء .

الرأي القانوني :

المحامي مصطفى خواتمي قال : حين تتجول في أسواق حلب وبراكياتها وبسطاتها المنتشرة والمبعثرة في أنحاء متناثرة في المدينة فإنك ترى الكم الكبير من أنواع الزيوت والسمون منها البلدي وأغلبها المستورد منها الطبيعي والمغشوش ، وفيها النباتي المصدر والصناعي والحيواني وأغلبها مخلوط بنسب متفاوتة .

وأضاف: مما هو حري بالذكر، أن أجهزة الرقابة والمحاسبة والتوجيه والإرشاد عليها وعلى بقية السلع الغذائية تكاد تكون معدومة ، فدوريات حماية المستهلك التابعة لوزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك وهي الجهة المعنية بالموضوع في الدرجة الأولى قليلة العدد ، إذا أخذنا الأمر على حسن النوايا والعينات التي تأخذها للتحليل معدودة على أصابع اليد في اليوم الواحد .

ولا تثريب علينا ، إذا قلنا أن جمعية حماية المستهلك بحلب والتابعة وصائياً لوزارة الشؤون الاجتماعية قد أصبحت اليوم أثراً بعد عين .

وقال : أغلبنا لا يعرف مصدر البضاعة ولا مصنعها ولا تاريخ انتهاء صلاحيتها إلا فيما ندر والمحلية منها لا نعلم شيئاً عن مصانعها وأماكن تعبئتها وتعليبها حتى يمكن للمختصين والمهتمين بالأمر مراقبتها ونحن نعلم أن البعض يقوم بتذويب الشحوم والدهون المهدرجة وغير المهدرجة وخلطها مع السمون كما تخلط بزيت الزيتون زيوت الذرة وفول الصويا وعباد الشمس وأنواع أخرى من زيت جوز الهند مع عبوات زيوت الإعانة والإغاثة الواردة إلينا من منظمة الصحة العالمية أو الصليب الأحمر والهلال الأحمر وبرنامج الغذاء العالمي ونحوه والتي توزع مجاناً .

وأكد خواتمي أنه قد صدرت قوانين مختلفة في الآونة الأخيرة ، بحيث دمجت قوانين التموين والتسعير رقم /123/ لعام 1961 مع قانون قمع الغش والتدليس رقم / 158/ لعام 1961 وتوزعت الاختصاصات القضائية بين المحاكم المدنية والمحاكم العسكرية .

وغلظت بعض العقوبات ونعتقد أن الغش بقي على حاله وهل كان الردع غير مجد لتاريخه ونرى أن التنفيذ العلني ومراقبة غرف التجارة والصناعة والزراعة والسياحة والجمعيات الحرفية الغذائية كافة والنقابات العمالية بالاشتراك مع المسؤولين التنفيذيين هي التي تعطي أفضل النتائج العملية .

ولفت الى إن الحكومة آنذاك وضعت قبل أربع عشرة سنة قانوناً من مقتضاه أن يلصق على أوعية السمن ( وكانت هناك الظروف المعدة لتخزين السمن والتي يبلغ وزنها أكثر من عشرين رطلاً والمعروضة للبيع ورقة مكتوب فيها منشأ السمن ونوعه وتركيبه منعاً للغش وحفظاً للصحة .

وبين أنه قد جاء في المادة /16/ من ذلك القانون :

( إن الذين لا يضعون علامة على المصنوعات والمعمولات التي أمرت نظارة التجارة بوضع علامة عليها ، والذين يبيعون ويعرضون للبيع هذه المصنوعات والمعمولات من غير أن يكون عليها علامتها الفارقة ، يغرمون جزاء نقدياً من ليرة إلى عشرة ليرات أو يسجنون من أربع وعشرين ساعة إلى أسبوع أو يعاقبون بالغرامة والسجن ) .

فتأملوا يا رعاكم الله وهذا ما جاء في أمر العلامة الفارقة فما قولنا إذا ثبت الغش بشكل يقيني عن طريق تحليل العينة في المخبر أصولاً .

ويتساءل خواتمي : هل يوجد أشد من هذا العقاب وأعظم من هذا القصاص .

لنا كلمة 

ونحن نقول : إذا كان الأمر على هذه الخطورة منذ قرن إضافة إلى أن اليوم هناك عشرات الطرق للغش لتطور الوسائل بشكل كبير ومنظم إذن الموضوع ليس بالمحصلة مسألة نصوص قانونية بل مسألة نية وجدية في التنفيذ وقناعة في الربح ورأي عام يرجع إليه وهو الحكم في نشر العقوبات وفاعلية في جمعية حماية المستهلك الأهلية وبحيث يكون لها دور بارز في الموضوع .

إننا نذكر هذه النصوص لنقول : إننا بدأنا نكشف الغش بأنفسنا عن طريق لون وطعم الزيوت أو السمون أو عن طريق رائحتها سواء حين العرض والشراء أو حين الطهي والقلي أو حين تناول الطعام .

وأن التحاليل في المخابر بعد أخذ العينات في الشروط المناسبة والحفظ الأصولي ما هو إلا تأكيد الشيء المؤكد وإن العبرة بالخواتيم وهي التنفيذ فإن النفاذ السريع هو الذي يطمئن القلوب ويسكت الألسن .

إن مراقبة الأسواق ليست عملية استعراضية بل هي عمل دؤوب لحماية صحة المواطن التي هي أغلى شيء لدينا والحفاظ على أمواله التي لا يحصل عليها إلا بشق الأنفس .

ولنا ملء الأمل بأن تجارنا الأكارم وصناعيينا الأفاضل سوف لا يألون جهداً في سلوك الطريق القويم بعد أن علموا الشيء الكثير عن أهمية هذه الأيام في حياة سورية المستقبل وهم يرددون قول النبي عليه الصلاة والسلام ( من غش ليس منا) ونباهة القارئ كفاية لمن أراد الهداية .

أخيرا :

نطالب الجهات الرسمية والسلطات المحلية بضرورة تكثيف المراقبة على محلات بيع المواد الغذائية، خاصة وأن الكثير من المتاجر والأسواق تعرض سلعا فاسدة رغم عدم انتهاء تاريخ صلاحيتها، الشيء الذي يعني أن تاريخ الصلاحية مزور، أو أن شروط التخزين والعرض لا تستجيب للمعايير المطلوبة من غير أن يتم توقيف وفرض عقوبات على هذه المتاجر التي لا يتوانى أصحابها في الاتجار بصحة المواطنين واستغلال الإقبال المكثف على هذه المواد.

تصوير خالد عثمان

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
حميدي هلال

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة