على هامش فلسفة الفن الماركسي

العدد: 
15002
خميس, 2017/07/06

بارسادانوف أنموذجاً

لم أتطلع في يوم من الأيام إلى أن أكون فناناً لكنني أحب الفن كمعظم الناس مع أني كنت في شبابي عازفاً مميزاً على الناي حسب آراء من استمعوا إلى عزفي في ليالي حلب التي يلفها الهدوء حيث كان يصغي إلى عزفي ليلاً الجوار في حي الجبيلة المحاذي لقلعتها الصامدة عبر الأحقاب، وقد حاولت في فترة لاحقة إتقان العزف على العود ولكن كان حصاد ذلك الإخفاق لتراكم مهامي الكتابية وقراءاتي المتنوعة لأنني لم أعتنق أي توجه أيديولوجي على الإطلاق، لكني كنت أتعامل مع الصيغ الجمالية للفن التشكيلي بحكم استقرائي للمعارض الفنية التي تقام، كما أنني قمت بدراسة فلسفة الفن في وقفات سريعة عند هذا المفكر أو ذاك كالمفكر الفرنسي شارل لالو صاحب كتاب (الفن والأخلاق) على سبيل المثال واليوم وجدت نفسي أمام كتاب (ضرورة الفن) لآرنست فيشر وكتاب (حول الطابع التقدمي لتطور الفن) لبارسادانوف، فهذان الكتابان يدرسان الفن من منظور ماركسي محض وقد قررت اعتماد الكتاب الثاني لأنه يعتمد النظرة التاريخية في دراسته.

إن نظرة سريعة إلى كتاب بارسادانوف حول الطابع التقدمي لتطور الفن تؤكد لنا جديته في استعراض علم الجمال وتشعباته في الرسم والنحت والتصوير والأدب لأنه يحيط بكل مظاهر الثقافة الإنسانية وأشكالها كما يقرر المؤلف بحق. وسأعمد إلى استعراض محاولة بارسادانوف وتحري المعطيات الفنية التي أبدعها الإنسان منذ العصور البدائية الأولى وحتى القرن العشرين بناء على الخطوط الرئيسية لتطور الوعي الفني على طول الأحقاب.

كان الفنان البدائي ينقش رسومه على جدران الكهوف معبراً عن خلجاته النفسية إزاء ما يحيط به ولم يمكن يفكر بالمدى الزمني الذي سيخيم على نقوشه ولا بما هو كائن فيما بعد، لأنه كان يعبر عن موقف الفنان من الواقع ليس إلاّ، في حين كان يعقبه فنان آخر فينطلق من مواقف الفنان السابق مضيفاً طابعاً جديداً بحسب ظروفه وملابساته الاجتماعية والزمانية وهكذا وجدت مسألة الطابع التقدمي لتطور الفن نفسها حيال توجه (خاص في مراحل الانقطاعات التاريخية التي ارتبطت في كل مرة بظروف معينة من تطور المجتمع معاً) كما يقول بارسادانوف الذي يجد نفسه هو الآخر حيال تساؤلات مدارها: ما طابع حركة الفن؟ وهل يعتبر الفن تقدمي الاتجاه؟ وبالتالي ما السبيل إلى تعيين الميزان الموضوعي للتقدم؟ وأي إنسان عادي يدرك تلقائياً أن كل ما هو فكري متوجه تلقاء التقدم بعيداً عن أي مرتكز أيديولوجي؟

لقد وصل المؤلف إلى أن كل نظريات التقدم الاجتماعي والفني انطلقت من الأرضية الاجتماعية باعتبارها التعبير الدقيق عن واقع الإنسان ومنطلقه الفكري في كل الأحقاب مستعرضاً محاولات العقليين في دراسة التقدم (الذين انحرفوا عن تفسير لب التطور التقدمي) معرجاً على جان بانسيت فيكو الذي قام هو الآخر (بمحاولة تفسير السنة الطبيعية للتاريخ) فماذا كان الحصاد؟

إن الانصياع الكلي لتوجهه الأيديولوجي ساقه إلى التأكيد على فكرة (الدورة الأبدية للمراحل الثورية التقدمية) فأوقع نفسه في تناقضات لا نهاية لها لأنه يعتبر أن التقدم يسير وفق سلم تطوري متصاعد عبر الزمان ولا يخضع لدورات متلاحقة وبمجرد اعتماد الدورات الأبدية منطلقاً لتفسير التقدم فهذا يعني الانضواء تحت ظلال التسليم المطلق بإرادة الطبيعة أو الكون، بينما في حقيقة الأمر ينطلق الكائن الإنساني من العقل والعمل لإخضاع الطبيعة لمصالحه، وبالقدر الذي يبذل فيه الإنسان جهداً عقلياً وعملياً بالقدر الذي يحقق فيه تقدماً وتطوراً، ولا وجود لدورات متلاحقة إلا بوجود عقل فاعل ومواكب بجهد بشري. وهذا ما يوضح تقدم مجتمعات بشرية في مرحلة ما وجمود مجتمعات أخرى في المرحلة نفسها. ولو كانت هنالك دورات أبدية حتمية فلماذا لم تظلل هذه الدورات شعوب أوروبا في العصور الوسطى؟ ولماذا لا تظلل العرب أو بمعنى آخر أبناء الشرق أو الجنوب في العصر الحديث؟

لو كان ما يراه المؤلف حقاً وأن التطور يخضع لدورات ثورية أبدية بشكل حتمي لما كان هناك تفاوت في التقدم بين أمم الأرض قاطبة ..

وما إن يصل إلى هذه القناعة الثابتة حتى يعرج على عمالقة الثورة الفرنسية أمثال: جان جاك روسو وديدر وفولتير ثم يتوجه تلقاء الثقافة الألمانية ودورها في التطور الفني على يد ليسنغ مروراً بشيلر وشليغل وشاتوبريان وصولاً إلى الاشتراكيين الطوباويين أمثال سان سيمون وفوريه الذي أكد أن الفن يخضع لأدوار صاعدة وأخرى نازلة رابطاً الأطوار النازلة بسيطرة العلاقات التجارية في المجتمع البورجوازي، والفن كغيره من الأنشطة الإنسانية يخضع لأطوار صاعدة وأخرى هابطة وفقاً لواقع المجتمع كما تؤكد فلسفة الحضارات في التاريخ كله وليس هنالك دورات أبدية تطورية حتمية حكماً إلا بالعقل والجهد الإنساني كما ذكرنا سابقاً.

ثم يمكث طويلاً عند جمالية الفن الديمقراطي الثوري وأقطابه أمثال كلينسكي الذي أكد على العلاقة النسبية بين الماضي والحاضر والمستقبل وما لها من أهمية في إدراك التقدم منتهياً إلى اعتبار التاريخ أساساً عاماً وشرطاً وحيداً لكل معرفة حية، دون أن ينسى التأكيد على أن محتوى كل فن هو الواقع، وكأنه لا دور للنفس البشرية وظلماتها وتوجهاتها من حب وكراهية وتناغم وتناقض في التوهج الفني إضافة إلى جمالية الخلود الذي يكاد يكون الهاجس الأبدي للبشرية كلها على طول امتداد الأحقاب.

وكما سبق فقد أوضحت أنني متنوع الثقافة ولا أدين بأيديولوجية دون أخرى، وإنما آخذ بما أرى فيه صلاحاً للبشرية جمعاء وأرفض مالا أرى فيه ذلك. في حين عالج كلاسيكيو الماركسية- اللينينية الفنون الجميلة من منظورهما الإلحادي مؤكدين على خبرة النضال الطبقي ودورها في التطور الفني، في حين تطلع فريدريك انجلز إلى الدور الاقتصادي وكانت التفاتته ذات أهمية بالغة، كما تبقى للطبقة الكادحة أهمية في توجه التطور الفني، لكنما تواجهنا الأخطار عندما نربط الفن بهذا الجانب أو ذاك لأنه يخضع في مسيرته لكل الخصائص الإنسانية والبيئية والتوجهات النفسية لهذا الكائن أو ذاك.

وإذ أعتبر الجهد الذي بذله بارسادانوف جديراً بالاحترام  فإن هذا لا يعفيني من الإشارة إلى إهماله الكلي لحركة الفنون الجميلة في حضارات الهلال الخصيب مع أنها تحتضن مولد التوهج الفني في التاريخ البشري لأن النقش على الحجر أو الجدران بدأ مع حضارات الهلال الخصيب في الألف الثاني عشر قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام،  كما أنه لم يتطرق إلى الفنون الإسلامية التي حققت حضوراً مميزاً ولا سيما في الفن المعماري والنقش على الخشب وفنون الطرب التي امتدت إلى أوروبا علاوة عن تطور النقد الأدبي على يد ابن رشيق القيرواني في كتاب (العمدة) وقدامة بن جعفر في كتاب (نقد الشعر) وابن الأثير في (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) إضافة إلى الآمدي والجرجاني وابن خلدون في مقدمته الريادية التي تركت بصمات واضحة في العلوم الإنسانية بدءاً من الفن وصولاً إلى علم الاجتماع.

وأعتقد أن كارل ماركس الذي تطلع إلى تحرير الاقتصاد من الرأسمالية والعمال من أرباب العمل إلا أنه لم يتطلع إلى تحرير نفسه من عقده المركزية الغربية، ولو أنه تحرر من عقدة المركزية الأوروبية لكان أهم مفكر إنساني في العصر الحديث.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة