رؤى جديدة في الراديكالية والعقل العربي

العدد: 
15007
ثلاثاء, 2017/07/11

طريقة للعلاج نلجأ إليها كي لا يستشري الداء في كافة الأنحاء وهو إزالة الجزء المصاب خشية انتقال المرض وهذه الطريقة تسمى في علم الاقتصاد بـ (الراديكالية) وهي كلمة لاتينية معناها الجذور والأعماق وأنصارها ومنظروها نادوا بإصلاح المجتمع إصلاحاً جذرياً واجتثاث علله الاقتصادية والاجتماعية من أصولها ومنبتها ومعارضة القيود الاجتماعية والاقتصادية التي تحد من تطور المجتمعات ففي مثل هذا الأسلوب يتمكن الإنسان من التعامل مع أمور ومتغيرات جديدة بشجاعة وواقعية أكبر إذ أن كل شيء في هذا العالم يتمدد ويتسع على حساب الآخر ظاناً أن ما عنده هو الصحيح حتى ولو كان هذا المتوسع والممتد مرضاً خبيثاً .

إن مخلوقات هذا الكون قد فطرت على الانتشار والتوسع بدءاً بالإنسان وانتهاء بأصغر مخلوقات الكون فنرى في الطبيعة مثلاً أن الصحارى دائمة التوسع إن لم نزرع بالمقابل مساحات خضراء والجراثيم بمجرد توضعها في مكان ما من الجسم سرعان ما تسعى إلى الامتداد والانتشار ولو على حساب الجزء السليم من الإنسان والكل يحسب أنه هو الذي يجب أن يسود ويبقى ومن هنا تنشأ التناقضات والصراعات .

ولكن هل بإمكاننا أن نعتقد بأن الانحسار أو التراجع أمام أي توسع أو الرضى بالانتشار الخبيث هو قانون هذا العالم وهل يمكن أن نقتنع بتسيد تلك الزحوف والاكتفاء بمهادنتها أو الابتعاد عنها قد يكون هذا الرأي صحيحاً لو وقف الزحف عند حد معين وبما أنه لن يقف فالأفضل هو إيقاف هذا المد صوناً للجسد والعقل ومنذ أن وجدنا ونحن نحتمل هذا المد دون مقاومته بشكل حاسم مفسرين ذلك على أنه سنة الكون وأسى الحياة بل أننا تعودنا على تلك الزحوف وجاورناها بعد أن تسربت إلينا على أنها قدر لابد منه ولكن يبدو أن هناك حياة دون تلك العوائق والعلل إن استطعنا تسميتها بذلك فحتى الآن لم نظهر للعالم ما نحن قادرون عليه بل بما تمليه الحياة وأفكار الغير علينا من أمور .

إن ما يجعلنا مقصرين في أدائنا الحياتي هو عدم إيماننا فيما نعتقد وانتشار الأفكار المعيقة التي تختلط دواخلنا فتجعلنا خلائط ذات أمزجة وطعوم مختلفة تؤثر على إرادتنا فتبدد سعينا وتجعل أهدافنا واهية وأمورنا شتى ذلك لأن ما يعطى لنا بات خليطاً غير نقي .

فما يعطى لبعض الأمم حولها إلى قطعان متشابهة في البؤس والتردد فترانا دائماً بين أخذ ورد وفي حيص بيص من أمرنا فالتيارات المنظمة ذات التماوج المتباين جعلت اعتقاداتنا ضبابية وهيولية وهذا ما سبب لنا التردد وعدم الثقة في تبني الأمور فلم نتمكن من اتخاذ قرارات سريعة حاسمة تمكننا من تجاوز أمر معين والانفتاح على شيء جديد دون أن يعلق أو تترسب علائق من علل وأفكار بات من الواجب تخطيها والانتقال إلى مرحلة جديدة .

إن النقاء قد ندر حتى من قطر ندى والاعتقادات المطلقة باتت أموراً مستحيلة لأن ما يعطى للإنسان بات مليئاً بالرواسب لذا بات إعمال مبدأ (الراديكالية) والاجتثاث والبتر أمراً ضرورياً ف(بتر) إن أردنا شرحها ككلمة وفهمها عكسناها قراءتها لتصبح (رتب) والترتيب هو تنفيذ شيء فوق آخر وهذا شبيه بالترسيب فالترسبات تتوضع فوق بعضها في وضع يشبه الترتيب ويماثله ومع الزمن أصبحت هذه الرسوبات جزءاً أصلياً من بناء الإنسان وأحسب أننا إذا ملنا إلى استخدام البتر في حالات التنازع الفكري والقلق الإنساني فإنه سيصبح بلسماً لجراح يصعب شفاؤها ونورا نستهدي به لاستمرارية الحياة المثلى.

لقد تلقينا على مدى الأيام مفاهيماً أقنعتنا بعدم مقدرتنا على اتخاذ قرار أو تبني شيء دون الاستعانة بآراء غريبة عنا وأقلام مأجورة دأبها ضررنا لقد اختلطت الأمور وبات من الصعب علينا الفصل واختيار الأفضل ففي مثل هذا الحال وما آلت إليه أمورنا وجب علينا (البتر) ذلك الذي ينقي التفكير بعد أن نقيس بمعايير صحيحة عوضاً عن التماوج والتأرجح بين الأفكار دون الوصول إلى شيء جديد أو اتخاذ قرار فاصل في أمر من الأمور .

فلو تأخرنا في ذلك ترتب علينا التزامات وأموراً ورواسب في نفوسنا قد لا تمحى ولا تزول وكم نحن بحاجة إلى أن نتحرر من أدران هذا العالم كي نسمو بتفكيرنا فلا شك بأننا خلقنا لنعيش سعداء بدون قلق ولا خوف .

إن وجودي حياً لا يعني أنني أعيش إن لم يقترن ذلك بإحساسي بتملك زمام نفسي وقائداً لذاتي لذا وجب علينا العزم وحري بنا بقصد مؤكد وحكم ثابت من غير مخالفة لدليل شرعي أن نغادر تلك الحياة وقد عرفنا أنفسنا وتحررت إرادتنا فقد آن لنا بعد ما حل بنا أن نشخص أسقامنا وننطلق نحو الأمام علنا نتجاوز عثراتنا ونواكب من سبقنا.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أحمد منير سبلانكلي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة