الشيرازي والحركة الجوهرية في الفلسفة المتعالية 1/2

العدد: 
15010
جمعة, 2017/07/14

ولد محمد بن إبراهيم الملقب بصدر الدين في مدينة شيراز/ إيران سنة 980هـ/1572م، وإليها ينسب ، وقد اشتهر بصدر الدين الشيرازي .

عاش إبان حكم الشاه عباس الكبير الصفوي الذي جمع المتناقضين : القسوة والطغيان ، والاهتمام بالعلم والعمران وإجلال العلماء. تابع صدر الدين دراسته في أصفهان عاصمة الدولة آنذاك من أهم كتبه:

 -  "الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة العقلية" وفيه يعرض فلسفته، وقد قسمه إلى أربعة أسفار:

1-     السَّفَر من الخلق إلى الحق.

2-     السفر بالحق في الحق.

3-     ويقابل الأول لأنه من الحق إلى الخلق بالحق.

4-     ويقابل الثاني من وجه لأنه بالحق في الخلق.

ويقع هذا الكتاب في طبعته الحديثة الصادرة عن دار التراث العربي عام 1982ميلادية بتسعة مجلدات.

-   كتاب مفاتيح الغيب: وقد ألَّفه  عندما اكتملت فلسفته ، وهو كتاب جامع، مرتَّب على عشرين مفتاحاً كل مفتاح له فواتح ، وقد مزج فيه الفلسفة بالعرفان وبالكتاب والحديث مزجاً جيداً.

وله كتب ورسائل عديدة أخرى تربو جميعها على خمسة وأربعين مؤلفاً..

الاعتزال طريق الإشراق والفلسفة

لا بد أن أسباباً ملحة دعت صدر الدين إلى اعتزال الناس والاعتكاف في قرية كهك الجبلية النائية في إقليم قم خمسة عشر عاماً ، لم يشتغل هناك بالتدريس، وابتعد عن مخالطة الناس، وانقطع إلى العبادة والتفكير. كان يشعر أن الوصول إلى اليقين في هذه المعارف التي حصلها يحتاج إلى تجربة روحية تتحقق فيها إشراقات إلهية ، وهذه لا تتوفر إلا بالانقطاع عن الناس وبالعزلة والتفكير، كأنه بذلك يريد أن يضع في التجريب نظريته التي تجمع بين المعرفة العقلية والمعرفة الإشراقية قبل أن يسطرها في كتابه "الأسفار الأربعة " ويعلنها للناس، سبب آخر لهذا الاعتزال هو ما رآه من تسفيه عامة الناس من الجهلة لآراء المفكرين أمثال سقراط وأرسطو وأفلاطون وغيرهم ، ومن الواضح أنه معجب في ذلك بأفكار ابن عربي، وقد رُمي بأبشع التهم حتى أُجبر على ترك بلدته, ولئلا يلقى مصيراً فاجعاً كمصير السهروردي فقد آثر أن يهجر القوم إلى القرى النائية منقطعاً إلى الرياضة الروحية حتى تجلت له العلوم الباطنية فعاد على البشرية بحكمته المتعالية.

الشيرازي و الغزالي

لقد سلك الشيرازي الطريق نفسه الذي سلكه الغزالي، ومر بتجربة مشابهة لتجربته، حين هجر بغداد وانقطع إلى التأمل والتفكر في القدس والشام ، وعاد من معتزله ليؤكد مثله بأن المعرفة هي: " ثمرة نور يقذف في قلب المؤمن بسبب اتصاله بعالم القدس والطهارة ، وخلوصه بالمجاهدة عن الجهل والأخلاق الذميمة وحب الرئاسة"، وهذا لا يتم إلا بتجريد النفس من شهواتها ، وبالتخلص من غسق الدنيا ومثقلات المادة ، كي تصبح النفس مرآة نقية لحقائق الوجود .

وقد عاد من معتكفه كالغزالي ليهاجم سفسطة المتفلسفين والمجادلين من أهل الكلام ، وينصح طالب المعرفة بالتجرد وتزكية نفسه عن الهوى ، وليدعو إلى التشبث بأسس المعرفة والحكمة ، وعدم الركون إلى أقاويل المتفلسفة فإنها فتنة لطالب الحقيقة.

الوحدة والمزج والابتكار في الفلسفة المتعالية

استوعب صدر الدين الشيرازي الفلسفات التي سبقته ، الإغريقية والفارسية والإسلامية، وتوغل في العرفانيات ورموزها وتطبيقاتها في مجالات القضايا العقلية والدينية، وحذف من كل ما استوعبه ودرسه من تلك المذاهب تطرفاتها وجدلياتها العقيمة وشطحاتها.

تستمد فلسفة صدر الدين المتعالية وإشراقاته من منابع عديدة منها : آراء اليونانيين القدماء ولا سيما أرسطو، وفلسفة ابن سينا الذي يعتبر تلميذاً لأرسطو، وأفكار محيي الدين بن عربي الصوفي الكبير، وتعاليم الدين الإسلامي حسب القرآن الكريم والسنة النبوية.

وهو كالسهروردي الذي كتب رسالة في الدفاع عن اعتقاد الحكماء، يُجِل آراء الحكماء اليونان القدماء ويعتبرهم حكماء وزهاداً متألهين.

تأخذ الفلسفة المتعالية بمنطق العلوم الرياضية لتصل إلى حقائق مسلمة أو مبرهنة، فالشيرازي يبتدئ من عدة أصول وقوانين مبدئية حول حقيقة الوجود ينطلق منها إلى سائر مجالات التفكير المثالية والواقعية محللاً ومفسراً ومستنتجاً ورابطاً الأشياء بعللها ومحتفظاً دائماً مهما أوغل في التفكير والاكتشاف بنقطة البداية (جوهر الوجود) وبالأصول المبدئية التي وضعها، منتهياً في آخر الشوط إلى مبتدأ السير أي (حقيقة الوجود).

يبين الشيرازي ما يقصده بالوجود، بأنه الوجود الأحدي "قل هو الله أحد"، الواجب بذاته، الثابت لنفسه، المثبت لغيره ، الموجد للأشياء المختص فيها ، المظهر إياها ، المعدم لها في القيامة الكبرى.

ومن الواضح أن الشيرازي يمزج بين نظرية التجليات عند ابن عربي ونظرية النور في صعوده وتنزلاته عند السهروردي مزجاً ذكياً بارعاً، والقاعدة الفلسفية الأساسية في آرائه وفي هذا المزج البارع هي إشراقية.

ولكل شيء في هذا العالم وجهان:

1-     وجه نفسه وهو "العدم".

2-     وجه ربه وهو "الوجود".

والشيرازي مثل الغزالي وابن عربي وصدر الدين القونوي وغيرهم من فلاسفة العرفان لا يسوق برهاناً عقلياً على ذلك وإنما يبني رأيه على المشاهدة القلبية والعيان .  

الحركة الجوهرية لباب الفلسفة المتعالية

ما دامت البداية هي الوجود، ولهذا الوجود تجليات أو تنزلات في المادة ، فهذا يعني أن العالم سيالة مستمرة الحدوث، ولظهورات الوجود المحافظ على وحدته في العالم تصاعدات جوهرية نحو المبتدأ وذلك بدوافع الشوق إلى الكمال والانجذاب.. أي أن النهايات تعود إلى البدايات، مادام ذلك فإن هنالك حركة دائمة تحدث في جوهر الأشياء، حركة متصلة منذ نشوء العالم إلى نهايته، حركة نشوئية، ارتقائية كمالية، وكل نشوء وحدوث في العالم هو ارتقاء جديد نحو الكمال، وغاية الكمال في النهاية هو تحول المادة إلى الوجود الأول.

فنظرية الحركة الجوهرية عند الشيرازي لا تعني الكون والفساد في العالم كما هي لدى الفلاسفة السابقين، كما أن نظرية النشوء والارتقاء لا تشكل إلا جانباً محدداً من هذه النظرية الكونية العامة، وهو الجانب المادي.

الوجود خير محض، والعدم شر محض، والشيرازي حريص على ألا يقع في الاثنينية ؛ فهو ينفي تماما فكرة وجود العدم، إنه مجرد مفهوم متوهم مقابل للوجود ولكن لا وجود له ، فالوجود بما هو وجود لا حدّ له ولا مثال ولا ضد.

وجميع أنواع الحركة في الكون هي "حركة وجود" أما العدم بما هو مفهوم متوهم، لا ذات له أصلاً، فليس هنالك أيضاً "حركة عدم"، ومثيل هذه الفكرة يقول بها علماء الفيزياء المتطورة إذ يرفضون فكرة وجود الخلاء في ا لكون، والخلاء يعني العدم.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة