جدلية العلم والإيمان 1/3

العدد: 
15010
جمعة, 2017/07/14

سيسارع فريق كبير إلى الاحتجاج على هذا العنوان ومن حقهم الاحتجاج مبدئياً ولكن ما إن يبحروا في مفردتي العلم والإيمان بانفتاح وعقلنة حتى يسارعوا إلى مصادرة احتجاجهم مثلهم في ذلك مثل الأبوين حينما يحتجان على أولادهم على امتثالهم لأبجدية الحب لكن لو عاد كل منهما إلى مرحلة المراهقة والشباب بحيادية مطلقة لسارع إلى مصادرة احتجاجه المبدئي ودرس القضية بضرب من الوعي الكلي لهٍا وسيتساءل فريق آخر: ما علاقة الحب بالعلم والإيمان؟ ومن حقه التساؤل أيضاً، لكنه قد يصادر تساؤله في وقت لاحق.

في حقيقة الأمر لقد ولّد هذا الموضوع في ذهني نصان قرآنيان وحديث نبوي أكاد أعايشهم يومياً وقد يتم ذلك على مدار الساعة والنص القرآني الأول هو قوله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) المجادلة آية 11 وهذه الآية  استوقفتني سنوات طويلة وكنت أبذل جهدي المتواضع لاستيعاب أبعادها  حتى ساقتني إلى التوقف لدى النص القرآني الآخر والحديث النبوي معاً وهما قوله ذي العزة والجلال: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) آية 27 سورة إبراهيم والحديث النبوي (اللهم ثبتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) وهذا الحديث كثيراً ما كان يردده والدي رحمه الله على مسمعي ومسامع الآخرين في جلساته التدريسية والوعظية، والقول الثابت يعني الثبات على كلمة التوحيد وبقدرة الله المطلقة خلقاً وتدبيراً لكل ما يرى وتصديقاً كاملاً لرسله وما أنزل عليهم وعلى محمد صلوات الله عليه وعلى النبيين،  فلماذا كان يرجو الرحمن أن يثبته بالقول الثابت؟؟

كل هذه التساؤلات شغلتني طويلاً، وإليكم حصاد معايشتي لها. وأبدأ وإياكم بإشكالية العنوان (جدلية العلم والإيمان) الذي يثير القارئ والسامع لأول وهلة لأن مفردة الجدل لغة كما يقول ابن فارس في مقاييس اللغة: (الجيم والدال واللام أصل واحد، وهو من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه، وامتداد في الخصوصية ومراجعة الكلام) وتوظيف المفردة على سبيل المفاوضة ولكنها أكثر ميلاً إلى المنازعة والمغالبة في إسقاط كل من المتصارعين الآخر، لكنها توظف لغة في الأحكام كقولهم : جدلت البناء فأحكمته ، والأجدل: الصقر المحكم البنية والمجدل: القصر المحكم البناء حسب مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني.

ومن هنا جاء قول ذي العزة والجلال: (وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل 125 وهذا ما حدا بي إلى التوقف دراسة وتحليلاً عند (جدلية العلم والإيمان) أي إحكام كل من العلم والإيمان معاً كإحكام المواد التي اعتمدها المعمار في إحكام بناء القصر وبهذا التوظيف المتطلع إلى فهم استثنائي متكامل جاء قوله تعالى: (ولما ذهب عن إبراهيم الروع، وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط) آية 74 سورة هود.

والمجادلة تستهدف إلغاء أو تجاوز التناقض الكامن في عمق الإنسان، من الأصل اللغوي: جدلت الحبل وجدلت البناء، فكأن المتجادلين يفتل كل منهما الآخر عن اعتقاده ومن هنا جاء قوله تعالى: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) الكهف آية 54 والآية 5 من سورة غافر (وجادلوا بالباطل) أي أنهم لم يجادلوا لإحقاق الحق بدليل الآية الثالثة من سورة الحج (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد) والآية الثامنة من سورة الحج (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير).

وفي الاتجاه المضاد كان جدال النبي الخاتم (ص) للآخرين أي من منطلق العلم والهدى والكتاب المنير وهذا ما جعل جداله بالتي هي أحسن للحبر اليهودي كي يفتله عن ضلاله ويحكم بناءه الإنساني. وهذا شأن معظم المعقلنين وكل المظللين بالعناية الإلهية.

فماذا عن العلم والإيمان؟

يتم العيش بلا علم ولا إيمان، لكنما تستحيل الحياة بلا علم وإيمان لقوله تعالى (أومن كان ميتاً فأحييناه) 122  من سورة الأنعام أي بالعلم والإيمان. وللأهمية القصوى لكليهما استهل كتابه الخالد بـ (اقرأ باسم ربك الذي خلق) فكان أول ما أنزل من ذي العزة والجلال على رسوله ويراد منه كل بني البشر لأن (اقرأ) لا تتم إلا بالتعلم ومن دون العلم يستحيل التوهج الحضاري كما يستحيل التكليف الإلهي وهذا هو التزاوج والتوازي بين العلم والإيمان لتحقيق حياة معقلنة للإنسان في الدنيا والآخرة.

ومما يروى عن الرسول الكريم ( ص ) أنه مر على مجلسين في المسجد، مجلس يهتم بالعبادة والذكر والدعاء ومجلس علم يتدارسون فيه آيات القرآن وطرق تفعيلها فقال : كلاهما خير وأهل العلم أفضل وجلس معهم قائلاً: ( إنما بعثت معلماً) وكيف لا يجالسهم وهو القائل: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ) والقائل: (فضل العلم أحب إليَّ من فضل العبادة وخير دينكم الورع) كما أنه قال: (فضل العالم كفضلي على أدناكم) وقوله لأبي ذر الغفاري: (لئن تغدو فتعلم آية من كتاب الله عز وجل خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولئن تغدو فتعلم باباً من العلم عمل به أو لم يعمل خير لك من أن تصلي ألف ركعة تطوعاً) وهذا ما رسخ التوهج الحضاري في القرون الأولى وهذا ما حرض اللغويين والعلماء على التوقف ملياً عند مفردة العلم كالإمام الجرجاني في كتابه (التعريفات) كالعلم الإلهي  والعلم الحضوري وعلم المعاني وعلم البديع والعلم الطبيعي والعلم الاستدلالي .. وقد أوضحت ذلك في دراسة سابقة في دراستي (المنطق العلمي في القرآن).

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة