مستقبل الدراما السورية ... إلى أين؟!!

العدد: 
15012
أحد, 2017/07/16

بعد انقضاء شهر رمضان المبارك ومتابعتنا لمعظم مسلسلاتنا التي عرضت على شاشاتنا السورية والفضائيات العربية عادت بنا الذاكرة إلى ثلاث سنوات مضت عندما دعتنا المؤسسة العامة للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني مع صناع الدراما لتدارس هموم وشجون صناعتهم التي باتت الأثقل بين مختلف القطاعات في سورية والتي كانت تحت عنوان (مستقبل الدراما السورية) وذلك بعد أن بدأت تلوح في الأفق بوادر الانحدار المرعب لدرامانا كماً ونوعاً وهي التي كانت تمتلك ضمنياً التأثير الأكبر على المجتمع وتبدو الأقدر على تغيير مفاهيم وقناعات الناس وتحاكي مشاعرهم وتخاطب وجدانهم بعيداً عن المباشرة التي تعتمدها وسائل الإعلام في عملها.  وكانت المفاجأة اعتذار معظم المعنيين عن الحضور من دون تقديم أي مبررات وانفض الاجتماع إلى لا شيء. سردت هذا الكلام بعد أن سألني عدد كبير من الغيورين على درامانا المحلية عن ماهية الحلول وكيفية معالجتها وما يمكن إصلاحه.

وأقول بدايةً (أم المشاكل تبدأ من عند كتابنا، وهنا نناشدهم بعيداً عن العرض والطلب، وأن يسلطوا الضوء على الواقع وأن يعالجوا في كتاباتهم سلبيات هذا الواقع وأن يحاولوا إبراز عواقب الاستخفاف بالقيم والأخلاق وخصوصاً في هذا الوقت الذي طغت فيه موجة التغريب التي أبعدت فئة لا بأس بها من المجتمع عن القيم ودفعتهم لتقليد النمط الغربي في الحياة كنوع من التقليد الأعمى).

خلال السنوات القليلة الماضية لم ترتق المعالجة التي طرحها كثير من النصوص إلى المستوى الاحترافي بل شابها الركاكة والعجز والتشتت وعدم التسلسل بخلق الأحداث.

مشكلة بعض الكتّاب تكمن بطرح فكرته من دون أن يعرف من أين يبدأ وكيف يختتم خطوطه، بل يتخبط في تقديم أحداث فارغة ومكررة بعيدة عن التخطيط والشكل العلمي.

مشكلة جديدة تكمن بظهور أسماء لا علاقة لها بالبناء الدرامي ولا الحرفة ككل، حتى إن كل من هب ودب بدأ يجرب الكتابة من دون معرفة لهذه الثقافة ومداها على المتلقي.

ومن أبرز التفاصيل التي تحتاجها الدراما السورية وجود أشخاص في العملية الإنتاجية يمتلكون الخبرة والرؤية الثاقبة والنفَس الفني الحقيقي لصناعة الدراما، كذلك تحتاج إلى آليات صحيحة وحقيقية في تسوية العمل.

أما مسؤولية النتيجة النهائية للعمل فتقع على المخرج، ولكن النسبة الأكبر من المخرجين باتوا يتعاملون مع العمل الدرامي على أنه مصدر رزق بغض النظر عن الرسالة التي يقدمها للمجتمع.

عندما تفقد الدراما أخلاقها وقيمها الإنسانية التي أنشأت لأجلها أصلاً فإنها بلا شك تؤدي إلى الإفلاس الثقافي والهبوط الاجتماعي وتدني مستوى الحوار حتى يبدو حواراً بلا طائل.

لا يختلف اثنان على أن أهم وظائف الدراما تسليط الضوء على الواقع المعيشي، لكن بعض الأعمال شوهت المجتمع السوري وأظهرت الخيانة وكأنها ظاهرة اجتماعية دارجة وأن الجنس الهاجس الأول والأوحد للناس من دون التطرق أصلاً إلى مسوغاتها.

نلحظ هذا العام، كما في الأعوام الثلاثة السابقة، انتشار ظاهرة جديدة وخطيرة تتمثل بانتقال عدوى (السينما التجارية) إلى الدراما، فعوامل الجذب التي يخاطب بها صناع الفن السابق لحصد أكبر قدر من الأموال في شباك التذاكر أصبحت تتوارد في تلفزيونات، بعيداً عن الأفكار الهادفة والبناءة، لذا أصبح الحديث عن المحرمات أمراً يسيراً ولتفرض مشاهد الإغراء والإيحاءات الجنسية على البيوت والعائلات بموضوعات سطحية ورغبات تافهة ونماذج مستهلكة واستغلال الجسد لأهداف ربحية واعتبار المرأة كائناً من الدرجة الثانية أو حتى العاشرة.

إضافة إلى ذلك استخدام ألفاظ ومشاكل تخدش الحياء بات أمراً اعتيادياً، بل أصبح هناك استثمار تجاري لمثل هذه الألفاظ التي فيها من الإباحية الكثير وهناك تعمد مسبق لاستخدامها بهدف اجتذاب قطاع أكبر من الجمهور، لكن الاستخدام المفرط لهذه الألفاظ قد ينفر الناس ويؤدي إلى نتائج عكسية فالبيت السوري والعربي محافظ بشكل عام.

ملاحظات سريعة:

نمتلك قدرات وثروات وإمكانيات بشرية ومادية لكن ينقصنا التخطيط السليم والابتعاد عن التجاذبات التي تعيق تقدمنا.

الدراما السورية تحولت إلى عملية تجارية تخضع لميزان العرض والطلب فقط من دون النظر إلى معايير أخرى، لذا تخرج أحياناً عن مسارها وهدفها النبيل.

تبيع شركات الإنتاج أعمالها بالعملة الصعبة، ما يعني أنها لم تتأثر بالظروف الاقتصادية التي فرضتها الحرب على سورية، ورغم ذلك لجأت الى تقليص المصاريف والأجور متذرعة بالأزمة.

الاهتمام بالوجوه الشابة واجب، ولكن بدراسة متأنية وعناية من دون السماح للمتطفلين باقتحام ساحة الدراما، لأن (اللي فيها مكفيها).

للرقابة دور مفصلي في ضبط الفوضى الدرامية من خلال فرض معايير أخلاقية تفرض على النصوص، وعدم تمرير أي فكرة تسيء لمجتمعنا، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها.

من واجب القائمين على الدراما دعوة الفنانين والفنيين الذين فضلوا الإقامة خارج سورية ليعودوا إلى حضن وطنهم ويعيدوا نشاطهم الفني المعتاد، لأن درامانا بحاجة إلى جميع أبنائها باستثناء من أساء لسورية بإشهار مواقفه المعادية.

الشللية ظاهرة نهشت جسد الدراما، حتى إن هوية المخرج صارت تدور في الأذهان فور متابعة عدة مشاهد من دون العودة إلى الشارة.

الدراما السورية غنية بمواهبها، وليست بحاجة لهذا الكم الكبير من الممثلين العرب الذين ضربوا وقتاً مع النجومية بفضل ظهورهم معنا على حساب السوريين.

أخيراً، نريد حلولاً على أرض الواقع بعيداً عن التنظير والكلام الذي لم يعد له مثيلاً في هذا الزمان.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
توفيق جنيد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة