جدلية العلم والإيمان 2 / 3

جمعة, 2017/07/21

ما يجتاحنا من فتن هوجاء كان الدافع الأساسي للقيام بهذه المحاولة المتواضعة علها تعقلن من يظنون أنفسهم مؤمنين لكنهم ليسوا على هدى منير، فصابروا معهم أن كنتم تتطلعون إلى إيمان نقي غير خاضع لوساوس الشيطان ومداخلات النفس الأمارة بالسوء وهذا ما يطال فريقاً كبيراً ممن يخالوا أنفسهم مؤمنين أن لم يتصوروا أنهم من كبار المؤمنين وهم ليسوا كذلك فماذا عن دلالة مفردة الإيمان؟

الأمن ضد الخوف، أي السلام والطمأنينة نحو قوله تعالى: (أولئك لهم الأمن) وكما جاء في الآية 86 من سورة الأنعام: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) أي لم يخالط إيمانهم ذرة من شرك ظاهر أو خفي فلهم الأمن بإطلاق أي قطعي الدلالة بشيء ما، أي إيمان مطلق لا تماس أو مقاربة بينه وبين الشكوك والأوهام بينما إيمان الأكثرية الساحقة من المسلمين على تقارب وتماس وتداخل مع كل لوائح القيم التي حذر منها القرآن بدليل الحديث المروي عن الرسول الخاتم: (يأتي زمان على أمتي لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه، مساجدهم يومئذ عامرة وهي من الخراب، علماؤهم شر علماء تحت أديم السماء، منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود) وصورة الجغرافيات الإسلامية بيانات واضحة على صحة هذا الحديث الذي يعتمده كل مسلم معقلن نقي السريرة لم يتأثر بقناعة هذا أو ذاك مهما كان شأنه، أي عدم إضفاء القداسة إلاّ على من أضفيت عليهم القداسة أي الأنبياء فيما يتعلق بأقوالهم في التشريع الإلهي حصراً وليس في الأمور الدنيوية وسأقف وإياكم على الحديث الذي جاء به الرسول الخاتم يوم كنا على موعد مع التوهج الحضاري الذي عم العالم أجمع.

 فإذا بنا اليوم نسقط فيما حذرنا منه في حجة الوداع التي سأقتطف من خطابه التاريخي وروداً جورية لا يشم أريجها ولا تدمي أشواكها فحسب لأن من يحسبون أنفسهم مؤمنين وما هم بمؤمنين حولوا الورود إلى متفجرات (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا ... ألا إن المسلم أخو المسلم، فليس يحل لمسلم من أخيه شيء إلا ما أحل من نفسه... ويلكم- أو ويحكم ـ لا ترجعن بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض).

وعود على بدء توجهاً تلقاء إشكالية الحب لدى الصبايا والشباب والتي يستنكرها معظم الناس والتي أشرت إليها في البداية لأضيء رؤيتي إزاء جدلية العلم والإيمان، حيث تجابهنا الصعوبات في العثور على قاعدة مشتركة تضبطها كالحتمية واللاحتمية في الطبيعة وكالعبقرية والفن وغيرها، يقول الفيلسوف الألماني عمانويل كانت في كتابه (بحث تحليلي في الحكم): (العبقرية نزعة عقلية فطرية تعطي الطبيعة بواسطتها القاعدة للفن) وهي (موهبة لإنتاج ما لا يمكن وضع قاعدة له وليست هي محض قابلية لما يمكن تعلمه عن طريق قاعدة ما، ومن ثم لا بد أن تكون الأصالة أولى خصائصها) ويعقب أرنست كاسيرد في كتابه (مدخل إلى فلسفة الحضارة الإنسانية): (وهذا الشكل من الأصالة هو امتياز للفن ومميز له ولا يمكن بسطه على ميادين أخرى من الفعالية الإنسانية ) ص 378   ومع احترامي الكبير للمفكر الحضاري أرنست كاسيرد فإني أميل إلى القول بإمكانية بسطه على كثير من الفعاليات الإنسانية بدءاً من الحب إلى جدلية العلم والإيمان التي تسمو على كل القواعد وهذا ما كان يحدو بالرسول الكريم الذي يمتلك عبقريتي العلم والإيمان إلى الدعاء الذي يجعلنا نتطلع برغبة جامحة إلى هذا التثبيت وأتساءل: هل فيكم من التقى ذات يوم بنجار بلا مطرقة ولا منشار؟

أنا ذلك النجار الذي يحاول هندسة الكلمات والأفكار .. لكنني يوم أمس وجدت نفسي عاجزاً عن الكتابة لأنني لا أمتلك قلماً ولا أتقن الكتابة على الحاسوب فتوقفت عن العمل لأن قلمي الذي أكتب به فرغ من الحبر الناشف كفراغ العرب من أبجديات لوائح القيم الدينية والحضارية وحينما سارعت إلى إحضار قلم وجدت الأقلام الثلاثة المتوفرة لدي غير قابلة للعمل كما أن أمتي منذ قرون غير قابلة للعمل لعقلنة أمورها الكبرى على الأقل وهذا ما دفعني إلى أن أقص هذه الحكاية:

يروي لنا التاريخ أن الإمام الرازي وهو من أبناء عصر النهضة العربية الإسلامية كان ذات يوم متوجهاً تلقاء المسجد الذي يلقي فيه دروسه المعتادة في علوم التفسير والفلسفة وعلم الكلام ومعه فريق من صحبه وما إن اقترب من المكان حتى التف حوله من كانوا في انتظار حتى أصبح حوله من تلامذته عدد غفير من الناس وكانت ثمة عجوز على قارعة الطريق فتساءلت بصوت مرتفع: من يكون هذا الرجل الذي يرافقه هذا الحشد الكبير من البشر... أهو الخليفة أو الوالي أو هو من أكرم الناس؟؟ فأجابها أحد الحضور: إنه أكرم الناس في هذا الزمان.. إنه الإمام الرازي.

فقالت العجوز: ومن يكون الرازي؟ فأجابها الرجل: إنه من يمتلك ألف دليل على وجود الله. فقالت العجوز: لو لم يكن لديه ألف شك في وجود الله لما بحث عن ألف دليل على وجوده.

ويقال: إن الأمام الرازي حينما قصوا عليه ذلك أطلق مقولته التاريخية: اللهم امنحني إيماناً كإيمان العجائز.

وأنا أشك في مصداقية الرواية بأنه قال: اللهم أمنحني إيماناً كإيمان العجائز، لأنه يسبح بالعلم والإيمان وإذا قالها فعلاً فقد كان أثناء نطقها نصف عالم ونصف متعلم وبعيداً عن المظلة الإلهية لبضع لحظات، أي نأى وابتعد عن جدلية الفتل والإحكام أي عن جدلية العلم والإيمان لأن جدلية العلم والإيمان تؤدي إلى قيام مجتمع حضاري كما أراد ذو الجلال والإكرام حينما خلق آدم ليكون خليفته في الأرض، أي يهندسها ويبنيها ويطورها بمنطق العلم والإيمان سواء بسواء وهذا ما كان قولاً وفعلاً بعد نزول كتاب الله من السماء ووضعه موضع الفاعلية والتطبيق .

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد