استغلال الأطفال في سوق العمل .. مهن صعبة بأجور زهيدة .. وغياب رقابي ..دور الجمعيات الأهلية اقتصر على الإغاثة وبرامج الطوارئ

العدد: 
15028
ثلاثاء, 2017/08/01

حالة الطفل خالد 14 عاماً كحال المئات من أطفال حلب، دفعتهم الحرب بعيداً عن مقاعد الدراسة إلى سوق العمل ليمعن فيهم معاناة واستغلالاً.

يقول خالد : من منطقة الميسر عملت بداية في ورشة للملابس القطنية في حي الجابرية لصاحبها أبو أسعد بأجرة 3500 ليرة في الأسبوع ، أصرف منها يوميا 200 ليرة أجرة سرفيس ذهاباً وإياباً ، و200 ليرة "سندويشة" عند الغداء في فترة الاستراحة ، يعني المجموع 2400 ليرة أسبوعياً مصروف ، يبقى لي 1000 ليرة فقط ..!!

ويضيف : ثم انتقلت الى ورشة أخرى في حي العزيزية لصاحبها " أبو محمد " ولكن هذه المرة الأجرة 4500 ليرة .. ويبدأ عملي في التاسعة صباحا وينتهي في التاسعة مساء ..

مؤكداً أن الحاجة دفعته الى ترك المقعد الدراسي ومساعدة أهله في المصروف .

صراعٌ من أجل البقاء، وطفولة سرقتها الحرب، ولم تتمكن جهود المنظمات الدولية أو الجمعيات والمؤسسات المحلية، على أهميتها، أن ترفع المعاناة عن هؤلاء الذين بات البحث عن الرزق أهم من العلم وأحلام المستقبل لديهم.

ويدخل أطفال حلب في سن مبكرة جداً سوق العمل بحثاً عن لقمة عيش لعوائل فقدت معيلها أو عجز الأب فيها عن تأمين ما تحتاج إليه أسرته من دون عمل أطفاله، واقع فتح الباب أمام استغلال الأطفال في حلب في مهن صعبة بأجور زهيدة.

مهن صعبة بأجور زهيدة :

استغل بعض أصحاب العمل غياب شريحة الشباب فأخذو يستقطبون الأطفال مستغلين حاجتهم المادية وتشغيلهم في ظروف عمل سيئة في أقبية الأبنية السكنية وعلى أطراف المدينة ..

 وجالت " الجماهير " على عدد من الورش والمحال الصناعية .. هذا يعمل في ورشة للخياطة وذاك في محل ميكانيك سيارات وآخر في محطة وقود ورابع في ورشة موبيليا ..12 ساعة عمل يومياً تضني الكبير قبل الصغير .. مهن صعبة بأجور زهيدة .. واستغلال طاقة الطفولة الى أبعد حد .. صانع وأجير .. وقائم بمتطلبات صاحب العمل المنزلية كجلب الخبز من المخابز وغسيل السيارة وصنع القهوة والشاي ..

طفولة تضطر لدخول سوق العمل بأجر زهيد، يتقاضوه قياساً بمن هم أكبر منهم سناً .

ظاهرة لا يمكن الحد منها إلا بعودة الأطفال إلى المدارس، كخطوة أولى، ربما في انتظار عودة الحياة مجدداً إلى هذه المدينة التي دفعت قسطها من حرب طاحنة مستمرة لأكثر من 6 أعوام.

رأي قانوني :

بين المحامي مصطفى خواتمي أمين سر رابطة الحقوقيين بحلب أنه : ظهرت مشكلة عمالة الأطفال وهم الذين لم يتموا الثامنة عشر من عمرهم وينقسمون إلى أطفال لم يتموا الخامسة عشر ومراهقين أو فتيان لم يتموا الـ 18 عاماً وذلك حسب التصنيف الاجتماعي والقانوني وبحسب العادات والتقاليد والأعراف.

فإذا كانت مشكلة الفئة الأولى مرفوضة بشكل قاطع فإن الفئة الثانية قد تلاقي قبولاً عند بعض فئات المجتمع.

وقال خواتمي : ومن المعروف أن أول دستور سوري صدر عام 1920 وهو المعروف بالدستور الملكي وقد ألزم المواطنين بتسجيل أطفالهم في المرحلة الابتدائية حتى الصف الخامس (السرتفيكا) ثم ظهرت قوانين إلزامية التعليم الابتدائي حتى الصف السادس مع تنبيه للوالد من قبل موجه المدرسة أو مديرها بينما لم يكن يمارس مدير المعارف أي دور في هذا المجال.

ولكن الجديد في الموضوع أن قانون إلزامية التعليم أعطى لمدير التربية حق تنظيم ضبط عدلي يحول وفق الأصول إلى محكمة صلح الجزاء التابعة للمنطقة التعليمية ويحكم القاضي بتسليم الطفل إلى وليه وتعتبر سابقة له لأن الدعوى ترفع على ولي أمره (والده أو من يقوم مقامه شرعاً وقانوناً).

وفي حال وجود نية مبيتة من ولي الأمر وعدم ردعه فيحكم عادة بغرامة (500 ل.س حتى 1000 ل.س) والحبس من يوم إلى عشرة أيام، إلا إذا كان الحدث قد ارتكب مخالفة أو جرماً فيمكن إيداعه في معهد لإصلاح الأحداث الجانحين.

إن تسرب الأطفال من المدارس هو المقدمة الكبرى لدخولهم سوق العمل أو ممارسة التسول والتشرد ومنهم من يكون محتاجاً يعيل أهله ومنهم من يدخل لغايات أخرى سواء كان بشكل فردي أو بسبب إرغام والديه على ذلك أو بشكل منظم وهو الأخطر.

وحدد خواتمي حالتان يصعب على الجهات المعنية مراقبتهما وهما:

الأولى: الذين يعملون في مهن شاقة وغير صحية أو في المعامل مع الكبار ولا يمكن أصلاً تسجيلهم في التأمينات الاجتماعية.

وعادة على سبيل المثال عندما يحضر مفتش التأمينات الاجتماعية يخرج الأطفال مع العمال غير المسجلين من باب خلفي مخصص لهم للهروب.

الثانية: عدم إمكانية إيداع المتسولين الذين يمكن القبض عليهم وإحالتهم إلى جمعية مكافحة التسول وهي جمعية أهلية وإمكاناتها ضعيفة تجاه الأعداد الكبيرة التي ظهرت بسبب هذه الحرب العدوانية على سورية.

ومن ناحية أخرى يرى أن حقوق العمال الصغار مهضومة لأنه في الأصل يلتزم صاحب العمل بتحرير عقد العمل مع العامل كتابة وباللغة العربية وتعطى لكل من الطرفين نسخة منه وتودع الثالثة لدى مديرية أو فرع مؤسسة التأمينات الاجتماعية المختصة مكانياً وذلك خلال ثلاثة أشهر من تحرير العقد.

وفي هذه الحالة فإن العامل غير مكتمل الأهلية القانونية ولا يجوز لوليه أن يوقع على العقد لأنه يخالف نصوص القانون بعدم تشغيل الأطفال وقد يعرضه ذلك إلى عقوبة مادية وجزائية، خاصة في المهن الشاقة كأعمال البناء والمناجم والأحمال الثقيلة لأنها تؤدي إلى تشوهات في العمود الفقري وإلى عاهات دائمة وإعاقات جسدية وأمراض مهنية جسيمة لا يمكن معالجتها، إضافة إلى التشوهات الأخلاقية، وكذلك فإن العمل في مهن خطرة على الصحة العامة والتي تحتاج إلى واقيات خاصة بالوجه أو وضع كمامات وغيرها لا يمكن توفيرها مثل: مهنة صناعة البطاريات أو الدهانات التي تؤدي إلى أمراض سرطانية تؤذي اليافعين أضعاف ما تؤذي البالغين.

ويضيف : كذلك فإنهم الطرف الضعيف ولا يحق لهم المطالبة بوجبات غذائية كالحليب والبيض وغيرها لمقاومة نفث السموم الناتجة عن تلك الصناعات الخطرة ولقد وجدنا أن البعض أصبح ينصحهم بأن يحملوا علبة العلكة أو السجائر أو الكبريت أو القداحات وما شاكل ذلك كيلا يتم القبض عليهم لأن القانون سيعتبرهم باعة متجولين.

ويرى أغلب الباحثين في علم الاجتماع أن هناك دولاً عانت من تلك المعضلة نتيجة الحرب العالمية الثانية وهم يرون الحل كما يلي:

1ـ زيادة عدد الثانويات والإعداديات والمدارس المهنية لأنها الحل السريع لتعليم الطفل مهنة وفق أصول وقواعد قانونية وأخلاقية وعلمية.

2ـ إخضاع الأطفال للدوام الجزئي أو المسائي في المدارس أو مكافحة الأمية بأي شكل من الأشكال سواء عن طريق الترغيب أو الترهيب.

3ـ تقديم الإعانات النقدية والعينية للعائلات التي لديها أطفال حتى تستغني عن تشغيلهم كونهم المعيلين لعائلاتهم.

4ـ التوعية العامة والقانونية والمجتمعية حول خطورة عمل الأطفال لما له من تأثير على جيل كامل هو جيل المستقبل القادم المشرق لدولتنا الغالية.

نظام تشغيل الأحداث في القانون السوري:

وفي لقاء مع مدير الشؤون الاجتماعية بحلب أحمد حمزة بين أنه في سياق إصدارها للقرارات التنفيذية لقانون العمل رقم (17) 2010، أصدرت وزارة العمل السورية قرارها رقم 12 الذي يعتمد نظام تشغيل الأحداث، ومنع القرار في مادته الأولى تشغيل الأحداث من الذكور والإناث قبل إتمام مرحلة التعليم الأساسي أو إتمام سن الخامسة عشرة من عمرهم أيهما أكبر، وحظر القرار تشغيل الأحداث في العمل الليلي الذي يبدأ من الساعة السابعة مساءً وحتى السابعة صباحاً، وتشغيلهم أكثر من ست ساعات يومياً.

كما منع القرار، صاحب العمل من تشغيل الحدث قبل أن يقدم وليه أو الوصي عليه إخراج قيد مدني، وشهادة صحية صادرة عن طبيب مختص تثبت مقدرته الصحية على القيام بالعمل الموكل إليه للتثبت من ملاءمته للعمل إضافة إلى ضرورة الموافقة الخطية للولي أو الوصي للعمل في المنشأة.

وحدد القرار عدم تشغيل الأحداث ذكوراً وإناثاً في الأعمال التي تؤدى تحت الأرض، وفي المناجم والمحاجر والكسارات، ومصانع تنقية الرمل والبلاط، واستخراج الحجارة، والعمل في نحت الرخام وقصه ونشره والأعمال المتعلقة به، والعمل في معامل تعبئة الأسطوانات بالغازات المضغوطة، ومحطات توليد الكهرباء وتحلية المياه وأعمال الدهان وجمع النفايات المنزلية والصناعية والثلج والتبريد والحمامات العامة.

كما منع القرار تشغيل الأحداث في أعمال حمل الأثقال أو جرها أو دفعها على قضبان إذا زادت أوزانها على 300 كغ للذكور و150 كغ للإناث.

نظام تفتيش العمل:

وأكد مدير الشؤون الاجتماعية أن القرار أوجب على مفتشي العمل " لجنة التفتيش مكونة من عامل تفتيش من الشؤون الاجتماعية وواحد من نقابة العمال وآخر من التأمينات الاجتماعية " بذل عناية خاصة بالتحقيق في الشكاوى المتعلقة بعمل الأحداث التي يتقدم بها الأحداث أنفسهم أو أولياؤهم أو الأوصياء عليهم، وعليهم أيضاً اتخاذ إجراءات معالجة هذه الشكاوى بشكل عاجل.

ولفت الى أنه حدد القرار الذي أصدرته وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل واجبات مفتشى العمل والصحة والسلامة المهنية والتأمينات الاجتماعية في مراقبة تطبيق أحكام قانوني العمل والتأمينات الاجتماعية والقرارات الوزارية الصادرة لحماية العمال أثناء قيامهم بالعمل حيث يتمتع المفتشون بصفة الضابطة العدلية وفق حدود المخالفات التي تقع في دائرة اختصاصهم.

وأشار القرار الى الاجراءات القانونية التي يحق للمفتش اتخاذها بحق أصحاب العمل المخالفين كالتنبيه الشفهي أو الخطي في حال وجود مخالفات بسيطة بمنحه مهلة لا تتجاوز الاسبوع وبالنسبة للإنذار تكون المهلة الزمنية الممنوحة لصاحب العمل لا تزيد عن خمسة عشر يوما موضحا أنه يتم تنظيم الضبط القانوني في المنشأة حصراً يدون فيه الوقائع التي شوهدت أثناء القيام بالتفتيش وتوصف المخالفات وتذكر المواد القانونية التي تمت مخالفتها لا يشترط لتنظيمه توجيه تنبيه أو انذار قبله.

وأوضح القرار أنه يحق للمفتش اقتراح اغلاق المنشأة أو المؤسسة وهو تدبير بحق أصحاب مكاتب استقدام واستخدام العاملات في المنازل من غير السوريات ومكاتب التشغيل الخاصة ومراكز التدريب المهني عند مخالفة أحكام قانون العمل والقرارات الناظمة له كما يحق للمفتش حجز مبلغ الكفالة المصرفية المودعة من قبلهم.

وحسب القرار فإنه يتوجب على المفتش إعداد تقارير شهرية مفصلة عن نتائج الجولات التفتيشية مشفوعة بالآراء والمقترحات وترفع هذه التقارير إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لاتخاذ الاجراءات المناسبة بشأنها كما يشترط أن يتضمن التقرير نوع المخالفات التي وجدها والنص القانوني المتعلق بها وجواب صاحب العمل أو من ينوب عنه عن أسباب المخالفة على أن يلتزم بالسرية المطلقة بشأن مصدر أي شكوى يحقق بها.

وبالنسبة لصلاحيات المفتش أوضح حمزة أنه بين القرار أنه يحق للمفتش أثناء الدوام الرسمي دخول جميع أماكن العمل والاطلاع على الدفاتر والملفات والمستندات اللازمة وأخذ صور عنها اضافة على توجيه الاسئلة واستجواب العمال وأصحاب العمل بشكل منفرد أو أمام الشهود عن أي مسألة تتعلق بتطبيق أحكام القانون.

وتنظم الزيارات التفتيشية الدورية حسب القرار وفق برامج فصلية مسبقة معتمدة من الوزير ومعدة حسب توزيع المنشآت وأماكن العمل مع مراعاة عدد وطبيعة وحجم المنشآت ومواعيد الزيارات ونوعها وتكون الزيارات ليلية أو خارج أوقات العمل الرسمي بناء على كتاب من الوزير في حال كان التفتيش مركزياً حيث يجرى هذا النوع من التفتيش في حال وجود خطر على صحة العمال وسلامتهم.

وحول عمل المديرية بين حمزة أن العمل بهذا الخصوص متوقف منذ بداية الأزمة وهناك نقص بالكادر الوظيفي وأبدى تفاؤله بعودة تفعيل عمل المفتش بعد أن أصبحت حلب تنعم بالأمن والاستقرار بفضل بواسل الجيش العربي السوري .

دور الجمعيات الأهلية :

محمد عبدو رئيس دائرة الخدمات ومشرف عمل الجمعيات الخيرية في مديرية الشؤون الاجتماعية بحلب بين لـ " الجماهير " أن هناك 45 جمعية خيرية مرخصة بحلب تقوم بالعمل الإغاثي وإقامة دورات تأهيلية للشباب الراغب بتعلم مهن تؤهله للدخول في سوق العمل .. لكن لا يوجد لديها نشاط في اتاحة فرص عمل للشباب وإنما يقتصر دورها في تعليم الحرف وهناك معهد خاص بالمديرية معهد التأهيل المهني سيتم تفعيله قريباً.

دور المنظمات الدولية :

اقتصر دور المنظمات الدولية غير الحكومية على وضع برامج احترافية للعمل في حالات الطوارئ إضافة إلى خبرتها التراكمية وقدرتها على رصد الموارد المالية وتنظيم نشاطات المتطوعين، في حين أن الجمعيات السورية كانت تعاني من مشاكل تنظيمية وتحديات العمل والبقاء في ظل ظروف الحرب ورغم ذلك كانت هناك محاولات قيام بالتشبيك وتوحيد الجهود وبناء برامج ذات مستوى جيد كما كان نشاطها مستمرا بغض النظر عن النتائج.

لنا كلمة :

إن الاهتمام بالحاضر هو الخطوة الأولى نحو بناء المستقبل ، الذى يشكل أطفال اليوم عماده الرئيس باعتبار أنهم سيكونون رجال الغد ، ولذلك لابد من الاهتمام بالطفل وإعداده الإعداد الجيد مسلحاً بسلاح العلم والمعرفة والتوجيه والتدريب ليكون عنصراً فعالاً في خدمة مجتمعه وأمته ، وكى ينال حقه من التعليم فلابد من حمايته من العمل، حيث لا خيار بين العلم والعمل في هذه السن المبكرة، ويكون الخيار الوحيد للتعليم أولاً وآخرا .

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
حميدي هلال

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة