( البرغماتية ) كحل لمشاكل المجتمع وتحسين الإنتاج

العدد: 
15028
ثلاثاء, 2017/08/01

يكثر الحديث ويزداد التساؤل منذ عقود عن أسباب تخلف الأداء الوظيفي وضعف المردود الاقتصادي والاجتماعي في العالم العربي، ويرجح كثيرون سبب ذلك إلى أن التخطيط والفكر الاقتصادي والاجتماعي يستند إلى قوالب ومسلمات جامدة ومتناقضة وغامضة ويسير برؤى لا تستند إلى حقائق ثابتة وهي أن النتائج المثمرة والإيجابية هي التي تعطي العمل صفته وأهميته وأن مجتمعاتنا لا تسعى إلى نتائج وعطاءات بقدر ما تقوم على أفكار ثابتة ينعدم فيها مبدأ الكفاءة والجدارة التي تؤدي إلى إعطاء الفائدة المرجوة للمجتمع.

ففي العالم العربي يعطى العامل والموظف غالباً مكافأة دون أن يعطي النتائج المثمرة والمرجوة من عمله فبمجرد أن يقدم أوراقه الثبوتية اللازمة يعطى درجته الوظيفية ويسير عليها .. وبالتالي يتوجب على الدولة مكافأته دون أن تجد نتيجة مثمرة أو عطاء إيجابياً أو إبداعياً في عمله.

وقد حدثتني إحدى المهندسات أنها أمضت مع زميلتين لها حياتها الوظيفية وهي توقع على طلب تشغيل عامل أو تسجيل أسماء الآلات المعطلة فقط ورغم ذلك كانت تكافأ براتب يوازي شهادتها ودرجتها الوظيفية ولا يساوي ما أعطته وقدمته لدائرتها من إنتاج.

وحقيقة الأمر أنها لم تكن راضية عن ذلك ولكنها رضيت أخيراً وأذعنت حين رأت أن تأخذ الراتب الذي حددته درجتها الوظيفية سواء عملت أم لم تعمل وسواء قدمت ما يساوي ويكافئ راتبها أم لم تقدم شيئاً.

ومثل تلك الأنظمة الجامدة رفضتها كثير من الدول منذ زمن بعيد لأنها رأت أنها تحد من تقدم المجتمع وتجعله يدور في دائرة مفرغة دون أن يحقق شيئاً، من أجل هذا لجأت الدول إلى ما يسمى (البرغماتية) وذلك للحد من تدني الناتج القومي والاجتماعي وعلى جميع الأصعدة.

إذن (فالبرغماتية) منهج لتوضيح المفاهيم يقوم على العمل الإنساني والتجربة كما أنها تعلي من شأن العمل أمام الأنظمة والقوالب الجامدة، وترى أن الأفكار والأنظمة العملية تستعير معانيها من نتائجها كما تستمد حقيقتها من صحتها، إنها تقوم أساساً على مبدأ الفائدة والقدرة الفعلية لأي سياسة أو اقتراح أو فكر وهي وحدها معيار الجدارة والاستحقاق.

فالبرغماتية هي مذهب عمل مفاده: (أعطني نتيجة عمل إيجابية فأكافئك على ما أعطيت).

إن الأثر العملي هو المحدد الأساسي في صدق المعرفة وصحة الاعتقاد فالقيمة والحقيقة لا تتحدان إلا في علاقتهما بالممارسة العملية ويفضل البعض تسميتها بـ (العملانية) بدل (البرغماتية) أو (الذرائعية) لكونها فلسفة تهتم أساساً بالآثار العملية كما تجسدها النجاعة والفاعلية على مستوى الممارسة العملية.

وقد نشأت العملانية بدءاً في الولايات المتحدة على يد (وليم جيمس) المتوفى عام 1910 كرفض لفكرة أن وظيفة الفكر هي أن يصف أو يمثل، وبدلاً من ذلك فإن العملانيين يعتقدون أن الفكر هو نتاج التفاعل بين الكائن الحي والبيئة، ذلك أنها جنبت الكثير من الدول متاهات الفروض الكثيرة وغياهب المسلمات حيث جعلت النتائج وحدها أساس الصحة.

إن التجربة هي السبيل الوحيد والنتيجة هي الحكم النهائي وهذه قاعدة ذهبية ذات فلاح عظيم في البحوث العلمية وفي المناهج التربوية كما أنها ذات نجاح بلا شك في الصناعة والزراعة والتجارة والإعلام.

وعلى ذكر المناهج التربوية فإن لي صديقاً كان يدرس في إحدى الجامعات الغربية كأستاذ كرسي قرابة ثلاثين عاماً ولا يحمل أي مؤهل علمي سوى الإعدادية ولكنه اختير أثناء امتحان التقديم من بين كثير من الدكاترة والمختصين وأكثر ما يثير الاستغراب أن الجامعة حين أعلنت عن حاجتها لمن يدرس تلك المادة لم تشترط لدخول المسابقة أي مؤهل علمي وإنما كانت تعتمد على الكفاءة والجدارة التي سيبذلها المتقدم أثناء اختبار القبول وهكذا كان .. وإذا تمعنا في حقيقة القيم الاجتماعية في العالم الغربي فإننا نجد أفكاراً وفلسفات أساسها البحث عن الحقيقة واليقين، تلك التي تساعد على حل مشاكل المجتمع المختلفة، ذلك أن الحقيقة يمكن اكتشافها وسوف يتم اكتشافها عاجلاً أو آجلاً من خلال التحقيق المتعمق بما فيه الكفاية، وكم نحن بحاجة لمثل هذا التوق الإنساني والمعرفي للنهوض بمجتمعاتنا والسير بها نحو الأفضل.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أحمد منير سلانكلي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة