المسجد الأقصى بين القيمة الدينية والغيرة العربية

العدد: 
15028
ثلاثاء, 2017/08/01

منذ فجر الإسلام اقترنت عروبة الأقصى بقدسيته وتزايدت عبر الزمن لنجده قيمة عظمى تقف في وجه الظلم عند المسيحيين والمسلمين على حد سواء، لذلك لم يكن مستغرباً خبر حراسة المسيحيين المقدسيين للمسلمين المقدسيين أثناء أدائهم  للصلاة بالقرب من الأقصى في الأحداث الأخيرة.

وكذلك وفي مشهدٍ لفت انتباه جميع  الفضائيات التي ترصد رباط المقدسيين أمام باب الأسباط قبالة المسجد الأقصى المبارك، حَمَلَ الشاب المقدسي المسيحي نضال جوزيف عبود انجيله بين كفيه، واضعاً صليبه على صدره، متوسطاً آلاف المصلين المسلمين، الذين يتصدون للجرائم الإسرائيلية بحق الأقصى، مشهدٌ دلَّ على مدى وحدة الموقف لدى الفلسطينيين الرافض للاحتلال وإجراءاته القمعية الغادرة.

وإذا رجعنا عقداً من الزمان سنة 2007 لنشهد الشاعر السوري المسيحي جاك سماك وهو يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفتخر بالأقصى المبارك فيقول من قصيدة طويلة:

يممتُ (طهَ) المُرْسَلُ الروحانـي...

ويُجلُّ (طه) الشاعـرُ النصرانـي

الله أكبر يـا رسـول فسـر بنـا...

 نحـو الشمـوخ وقبلـة الإيمـان

ويكَحَّل الأقصـى بـروح مجاهـد...

والقدس تزهو فـي قـلاع أمـان

أستصرخ (اليرموك) في ألق الوغى..

شمخت صموداً في رحى الميـدان

ولا عجب فالأقصى تهفو له القلوب المؤمنة وتجتمع في ساحاته الأرواح المطمئنة .

إنه المسجد الذي صلى فيه جميع الرسل والأنبياء لله الواحد.

لقد خَلَّدَ رب العالمين تبارك وتعالى ذكر المسجد الأقصى في الأمة من خلال ذكر معجزة الإسراء والمعراج التي أكرم الله تعالى بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وذلك في قرآن يتلا إلى يوم القيامة في سورة الإسراء حيث قال جل من قائل:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: 1).

فكانت مكانة الأقصى عظيمة في قلوب المسلمين لما يمثله من صرح ديني حمل في جنباته ذكرى الإسراء وبركة الأنبياء.

وكذلك لما يمثله من شعيرة دينية لا تُنسى لكونه القبلة الأولى التي صلى إليها المسلمون قبل التحول إلى الكعبة المُشَرَّفَة بأمرِ الله تبارك وتعالى.

وكذلك لكون المسجد الأقصى ثاني أقدم مسجد في الدنيا بعد المسجد الحرام فعن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَال: “الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ”، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟! قَالَ: “الْمَسْجِدُ الأَقْصَى”، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: “أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ“ (متفق عليه)، ولقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم مكانة الأقصى بإقرانه مع الحرمين الشريفين .

 فقَالَ: “لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى” (متفق عليه)، وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى وَمَسْجِدِي” (متفق عليه).

وبيَّن صلى الله عليه وسلم أن الصلاةَ فيه أعظمَ أجراً من الصلاة فيما سواه من المساجد غير المسجد الحرام والمسجد النبوي، فجعل الصلاة فيه بخمسمائة صلاة فيما سواه، فعن أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “الصَّلاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلاةٍ، وَالصَّلاةُ فِي مَسْجِدِي بِأَلْفِ صَلاةٍ، وَالصَّلاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلاةٍ” أخرجه الطبراني.

 كان الفتحُ العُمَريُّ لبيت المقدس في السنة الخامسة عشر للهجرة في عهد سيدنا عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه الخليفةُ الراشديُّ الثاني ثم قام  الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان وابنه الوليد بعمارة مسجد قبة الصخرة .

وبقي المسجدُ الأقصى في قدسه الشريف في كنف العروبة والإسلام مشمولاً بالرعايةِ والعنايةِ، حتى سقط سنة 493هـ، في أيدي الصليبيين الذين استغلوا ضعفَ الخلافةِ وتنازُعَ الأمراءِ وغلبةَ الأهواءِ على المسلمين، وعُطلت فيه صلاة الجمعة والصلوات حوالي تسعين عامًا هجريةً،  يروي أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي صاحب كتاب عيون الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية: أن أحد الشبان المقدسيين الذين أسرهم الفرنجة في القدس كتب للسلطان صلاح الدين الأيوبي شعراً بلسان حال المسجد الأقصى قال فيه:

يا أيها الملك الذي...

لمعالم الأعجام نكّس.

جاءت إليك ظُلامةٌ...

تسعى من البيت المُقدّس.

كلُّ المساجِدِ طُهِّرَت...

وأنا على شرفي مُنَجًّس

 فما كان من صلاح الدين إلا أن ترك الراحة واقسم ألا يضحك حتى يحرر الأقصى المبارك فحشد الجيوش وهزم المحتلين وأعاد الأقصى سنة 583للهجرة.

وقام السلطان صلاحُ الدين بإعادةِ ترميمِه وتجديدِ محرابِه، ونشأتْ في ساحاتِ المسجدِ وحوله مدارسُ ومكتباتٌ ودورٌ لحفظ القرآنِ ودراسةِ العلومِ النقلية والعقلية

ثم قام الانكليز بإعطاء وعد بلفور للصهاينة وبعون من الخونة زُرِعَ الكيان الصهيونيِّ كخنجرٍ مسموم في خاصرة أمتنا، ثم تَمَّ الاعترافُ الدوليُّ الظالمُ بما سُمِّيَ بإسرائيل عام 1948م، ثم قام الكيانُ الصهيوني باغتصابِ القدس عام 1967م، ثم كانت المحاولةُ الصهيونية الآثمةُ لحرق المسجد في 21 أغسطس 1969م، على يَدِ شابٍّ يهوديٍّ يُدْعَى مايكل روهان، ثم تمَّ إعلانُ ضمِّ القدسِ سياسيًّا إلى الاحتلال الصهيوني سنة 1980م، وبقي النضال الشعبي والمقاوم مستمراً يُذيق الصهاينة الوبال ويسيمها سوء العذاب،  وتوالت انتصارات المقاومة في حزب الله في جنوب لبنان وامتدت تداعياتها إلى المقاومة الفلسطينية في القدس الشريف والأقصى المبارك وسائر الجغرافية الفلسطينية.

ورغم كل المؤامرات على الأمة فستبقى القضية الفلسطينية بقدسها وأقصاها بوصلة الحق ومعيار الشرفاء.

نسأل الله تعالى أن يعيد على الأمة عوائد النصر والعزة.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة