جدلية العلم والإيمان (3)

العدد: 
15028
ثلاثاء, 2017/08/01

أكاد أميل إلى القول وبمزيد من الحسم والتأكيد بأن جدلية العلم والإيمان من أهم القضايا التي على المسلمين التركيز عليها إن لم تكن في مقدمتها لأنها رأس مال المسلم الوحيد يوم البعث والنشور، فالعلم سبيله إلى التوحيد المطلق وعدم السقوط في شباك الشرك الظاهر أو الخفي لأن الحق كله في الإيمان المطلق خلقاً وتدبيراً ولهذا فإن الرسول الكريم صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه حتى قيام الساعة كان يردد داعياً إلى الله أن يثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة والتثبت بالقول الثابت معضلة لها شأنها وصعوباتها وقد أشرت إليها بشكل أو بآخر في كتابي (القرآن وتحديات العصر) الذي ضمنته فصلاً أشرت فيه إلى حكايتي المطولة بين الإلحاد والإيمان الذي منّ الله علي به بعد الثلاثين من عمري ومنذ ذلك الحين وأنا أمخر عباب بحر الإيمان في هذا الزمان الذي يموج بكل ما يزعزع المؤمن إلا أنني بفضل الله علي فإن كل ما في كتابي الله (المخلوق والمقروء) أي الكون والقرآن يعمق قناعتي بالقول الثابت لكنني لا أنفك أبداً أتوسل إلى رب الأكوان كي يثبتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.

وإن انطلاقي من كتابي الله (المقروء والمخلوق) جعلني أؤكد إيماني على:

1- البرهان القائم على المنطق العقلي والمنحى الفلسفي.

2- البيان المرتكز على معطيات كتابه المقروء ممثلاً بالقرآن الذي هندسه بأحكام كما هندس كتابه المخلوق ممثلاً بالكون الذي جاء بتوهج هندسي لا يقدر عليه إلا الله.

3-إيمان العرفان المبني على الحدس الداخلي والرؤيا القلبية أي ذلك الإشعاع الداخلي الذي يعيشه معظم أو كل الناس.

ومع هذا لا ينفك الشيطان عن منازعتي حينما تسنح له الفرصة علاوة عن تململ النفس الأمارة بالسوء حيث يسارع العقل والقلب إلى إطلاق صواريخ لزلزلتها وتحطيم أركانها ولهذا أؤكد باستمرار على جدلية العلم والإيمان ما دمت حياً ويوم ألقى حسابي راجياً الله أن يكون حساباً يسيراً. وسأبقى أبحر في بحر الإيمان ومطارحات العلم لأن جدلهما مستمر لا يعرف إلى التوقف سبيلاً.

والإيمان لغة: التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وقدرته المطلقة وعنايته التي تحيط بالمؤمنين آناء الليل وأطراف النهار لكن الإيمان الذي يعني التصديق لغة وقرآناً له إضاءات أخرى ذات أهمية بالغة فقد يستعمل للمديح بإذعان المرء للحق وهذا ما أريد التركيز عليه. وقد عنيت بذلك الإيمان بما أنزل على النبيين بلا استثناء وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم وما اتضح من الحوار الذي دار بينه وبين جبريل عليه السلام والحديث طويل وسأروي منه ما يتصل بموضوعنا هذا.

 قال جبريل لرسول الله: ( أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وهذا الحوار بين رسول الله وجبريل يفسر الأبعاد الرؤيوية لما نحن فيه من فتن. وهذا ما ساقني إلى التساؤل: هل نحن في أزمنة الفتن التي ينسجها فريق ما لعدم تحقق التزاوج والانسجام بين العلم والإيمان حينما قال رسول الله (سيأتي زمان على أمتي لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه مساجدهم يومئذ عامرة وهي من الهدى خراب علماؤهم شر علماء)؟؟؟

 والإيمان: هو التصديق اصطلاحاً لكنه مشتق من آمن أو الأمن لأن المؤمن من يحقق أمناً داخلياً في الحياة الدنيا وأمنا مطلقاً من العذاب في الحياة الآخرة ويقابل ذلك نعيم متكامل في الجنة وهذا ما جعل المؤمن الحقيقي تستوي عنده الحياة والممات ويتمثل جانباً من الإيمان الحقيقي بدءاً من التطبيق الفاعل لقول الرسول الكريم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه كما يحب لنفسه).

وقد أكد الخطاب القرآني على ضرب من التزاوج بين العلم والإيمان بين العقل والقلب وصولاً إلى التقوى، وسوف أقدم بعض النصوص لا على التعيين، قال تعالى: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) آية 43 العنكبوت وقوله تعالى: (يفصل الآيات لقوم يعلمون) آية 5 يونس وقوله تعالى: (إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون) آية 6 يونس وآية 68 سورة النمل. وجعل العقلنة منطلقاً للإيمان كما في سورة النحل الآيات 11-13 لقوم يتفكرون ويعقلون ويفكرون على التوالي ولهذا تم الاحتجاج على الأعراب الذين قالوا آمنا توجهاً تلقاء مصالحهم قال تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) آية 14 الحجرات وقد قال الله في كتابه الكريم: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون) الآية الثانية من سورة الأنفال.

ووفقاً لرؤيتي المتواضعة فإنني أعتبر أن المؤمن هو كل من اعتمد أبجديات القرآن من إناث أو ذكور وقام بالفرائض ما استطاع إلى ذلك سبيلاً على أن لا يتهاون مطلقاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتفعيل الشورى بدءاً من الأسرة والحي والمدينة وانتهاء بمنظومة الأمة الوطنية والأمة الإنسانية تطلعاً إلى إقامة هوية كونية تستهدف تحقيق شراكة مصيرية وهذا لا يكون إلا بإقامة توازن بين الرغبات ولوائح القيم الدينية والأخلاقية والأعراف العليا عامة، تدرجاً من النية والقول والفعل بضرب من الاقتران والتزاوج بين الأعراف والأديان والمعتقدات في كل الجغرافيات لأن (المؤمن كالنحلة لا يأكل إلا طيباً ولا يخرج إلا طيباً وإذا وقع على غصن لم يكسره) أولئك هم (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) آية 63 سورة الفرقان لأن من أولى أبجديات الإيمان التواضع والتآلف والتراحم ولهذا حذرنا الرسول (ص) قائلاً : ( لا تنزع الرحمة إلا من شقي) رحمة للمسلمين وعباد الله أجمعين وصولاً إلى الرحمة بالحيوان والنبات. وهذا مصداق الرحمة لعباد الله أجمعين قوله عليه السلام: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله) وثمة حديث يؤكد على تحقيق التواصل بين الناس كلهم بقوله عليه الصلاة والسلام: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا بلا يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة) و(البين) البعد والفراق أي إصلاح المتخاصمين فرداً كانوا أو جماعات و(الحالقة) أي المصيبة المؤدية إلى التقاطع والتقاتل والحرب لأنها تستأصل كل شيء.

وأنا أخط هذه الرؤية المتواضعة ومنها هذا الحديث النبوي الريادي في السابع عشر من رمضان لعام 1438 للهجرة الموافق 12/6/2017 وهول الفتنة يجتاح شوارع وأحياء القرى والمدن في العالمين العربي والإسلامي وبعض أنحاء العالم الغربي ومعظم الناس صائمون ولكن فريقاً منهم يتقاتلون باسم الإسلام ومعظمهم لا علاقة لهم بما يدعون زاعمين ناسين أو متناسين التوجيه النبوي بأن (حسن الظن من حسن الإيمان) ومن يكفر أخيه المسلم ويستبدل حسن الظن بسوء الظن فالويل له ولتفكيره السقيم، فالمسلم من قال: لا إله الله محمد رسول الله، و(سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) كما ورد عن رسول الله الذي يدعون الامتثال لتوجيهاته، ليس هذا فحسب بل إنهم يتوجهون تلقاء القتل والإرهاب في جميع الجغرافيات العربية منها والغربية، فكيف تدخلون عليهم وقد أمنوكم على دمائهم وسلوككم الأخلاقي الممجد يقول: (أيما رجل أمن رجلاً على دمه ، ثم قتله ، فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافراً) ألا .. هل اتضحت صورة المؤمن؟!

وأتساءل وقد يتساءل فريق منكم: ما الحكمة من هذا التركيز على المؤمن الذي لا يتمكن من أبجديات الإيمان إلا بالعلوم والآداب والفنون ومكارم الاخلاق من الناس أجمعين ومما خلقه الله من حيوان ونبات وأرض ونهر وبحر .... ؟!

وأكاد أميل إلى الحسم راجياً السداد من الله بأن مهمة الإنسان الأساسية هي خلافة الله في أرضه ولن يتمكن من ذلك ما لم يطبق شرع الله وأخلاقه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً وتبدأ مهمته السامية بإقامة جسور وفتح طرق وأنفاق تواصلاً مع الله والأرض ومن عليها وصولاً إلى تأسيس هوية كونية تظلل البشرية جمعاء في الحياة الدنيا ويوم البعث والنشور يوم يحكم الله بين عباده بالعدل المطلق.

المؤمن الحقيقي من يبتعد عن الشرك لأن (إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) آية 116 سورة النساء ولهذا جاء في الحديث القدسي (قال تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشريك، من عمل عملاً يشرك فيه معي غيري تركته وشركه).

وهذا ما يقودني إلى القول وبمزيد من التأكيد: لا وجود لمستقبل مشرق للعرب والمسلمين إلا بالعلم والإيمان وهديهما بالتسامح والمودة والتعايش السلمي الدافئ مع الأعراق والمعتقدات والأجناس كافة..... ولكم حبي واحترامي.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة