المعري شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء .. 1ـ ذلك الدفق العبقري

العدد: 
15033
أحد, 2017/08/06

أكاد أميل إلى القول بأنني مع كل ما قاله أبو العلاء المعري الذي شكل موسوعة معرفية في عصره باستثناء بعض المفاصل الهامة كموقفه من المرأة الذي سأعرج عليه بشكل أو بآخر، لكنني أقول بمزيد من الحسم: من الذي لا يعرف هذا العملاق الفكري الذي حقق حضوراً ثقافياً وأدبياً وفلسفياً في موطن الضاد والعالم الإسلامي امتداداً إلى أوروبا؟! فقد بلغ تأثيره كل أصقاع المعمورة واعتبره فريق من الباحثين أستاذاً للشاعر الإيطالي دانتي وذلك من خلال البصمات الواضحة في كتابه (الكوميديا الإلهية) كما أن له تأثيراً بارزاً في آراء الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور الذي كان متشائماً كأبي العلاء المعري وهذا ما ساق فريق من الباحثين إلى توصيفه بـ (شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء) ولعل البيت الشعري الذي افتتح به ديوانه (الإلزام من لزوم مالا يلزم) والمعروف بين الناس بـ (اللزوميات) خير تأكيد على ذلك لأنه يفصح عن توهجه المعرفي:

أولو الفضل في أوطانهم غرباء             تشذ وتنأى عنهم القرباء

فإذا كان المقربون إليهم بصلة الرحم ينأون عنهم ويتباعدون فكيف بالآخرين ؟! هذا ما كنت أهمس به في نفسي منذ فترة زمنية طويلة حينما كان يتلقاني تمثاله معظم الصباحات إبان ذهابي إلى دار الكتب الوطنية، هذا التمثال الذي صنعه الفنان الحلبي السوري فتحي قباوة والذي حقق كثيراً من الجدال بين النقاد الفنيين وصورة التمثال مزروعة في مخيلتي منذ أواسط خمسينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، بما يعني أنني كنت ألقي كل يوم تحية الصباح على تمثال أبي العلاء قبل ولوج قاعة المطالعة وكنت أشعر منذ ذلك اليوم أن التمثال لا يقدم شخصية المعري بما تنطوي عليه من همة وتواضع وتشاؤم وحس عبقري وثاب ومع ذلك أحببته لأنه يرمز إلى من أحببته . وأتساءل الآن:

لم لا تعمد وزارات الثقافة والجهات المسؤولة في الجغرافيات العربية إلى إحداث جائزة لأعظم تمثال يجسد الدفق العبقري لهذا الرجل الأسطورة الذي أصبح في عداد العظماء الإنسانيين على أعلى المستويات؟!

ألا ترون معي أنه آن الأوان للنهوض بهذا المشروع لنثبت للعالم أننا لسنا إرهابيين، بل إننا إنسانيون أكثر مما يجب بحكم ميراثنا للحضارات الأولى من الشاطئ السوري الضاحك إلى بلاد ما بين النهرين امتداداً إلى الشاطئ الجنوبي للمتوسط من ليبيا إلى تونس والجزائر والمغرب وقوفاً لدى قرطاجة التي امتد تأثيرها الحضاري إلى اسبانيا وما بعدها كما تؤكد البحوث التاريخية الدقيقة والتي تشير إلى تقدم المد الحضاري السوري إلى القارة العجوز أوروبا إضافة إلى أقوال تفيد بأنهم أول من اكتشفوا أمريكا.

إذا كان الملاح ضعيف الرؤية فسيرتطم بالصخور ...وإذا أردت أن تعرف جانباً من نعم الله عليك فأغمض عينيك وأنت تمشي .. وهذه النعمة الكبرى من العطاء الإلهي لم يحظ بها المعري فقد أصيب بمرض الجدري إبان طفولته ففقد بصره لكنه لم يفقد بصيرته فأمضى عمره حتى تجاوز الثمانين سابحاً في الظلام. ولعل هذا الواقع التعيس قد كان كافياً لزرع بذور التشاؤم في أي إنسان لاسيما إذا كان مرهف الحساسية وأن يولد في عمقه النفسي توتراً متمرداً غير قابل للتوقف ويسارع إلى صب اللعنة على الحياة الدنيا التي حرمته من معظم متاع الحياة وملذاتها فصادرت بريق الأمل وفرضت عليه عذابات لا تعرف إلى التوقف سبيلاً.

بيد أن ذكاءه الوقاد وبصيرته الخارقة ودفقه العبقري وحدسه النفاذ واطلاعه على كافة علوم عصره من آداب وفنون وفلسفات وحكمة وتاريخ ومعارف مختلفة بما في ذلك فقه اللغة العربية عمق في النفس العلائية شعوراً بالقهر القسري في الوقت الذي توالد في تركيبه العقلي بعض شعور باستواء الماء والخشب إزاء الحياة الدنيا باستثناء شعور الخير للناس أجمعين بدليل قوله في ديوانه (سقط الزند):

فلا هطلت علي ولا بأرضي       سحائب ليس تنتظم البلادا

كما اتضح ذلك في كهولته وشيخوخته مؤكداً في داليته التي تعتبر رأس الهرم في الشعر الرثائي والتي قلده فيها عمر الخيام في رباعياته التي انشرت في الآفاق يقول في قصيدته المشار إليها:

غير مجد في ملتي واعتقادي      نوح باك ولا ترنم شاد

على قوله:

وشبيه صوت النعي إذا قيس        بصوت البشير في كل ناد

فلم يعد بالنسبة له أي فرق بين بكاء الحمامة وغنائها ولا بين نعي الموتى والتهليل بقدوم الوليد، وبذلك غدت الدنيا وما فيها غثاء أحوى كما وصفها ذو الجلال والإكرام في محكم تنزيله، هذا إن لم تكن مستنقعاً آسناً لا يطمع بها إلا المجانين ومن توجههم أهواؤهم إلى ملذات لا مقام لها لأنها كماء الشلال ليس للناظر إليه إلا متعة النظر لأن قدره السقوط ليحل محله ماء آخر.

ومع أنني لا أشاطر المعري كل أرائه وتوجهاته وخاصة موقفه من المرأة والأنوثة الخالدة وكذلك لست مع موقفه العدواني من الحياة إلا أنني أعتبره أكبر حضور عبقري في شعراء المعمورة ولا يقاربه في دفقه العبقري هذا إلا قليل.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة