حافظ الشيرازي بين المعرفة والعرفان / 2 /

العدد: 
15033
أحد, 2017/08/06

اختلف المهتمون بشعر حافظ الشيرازي وسيرته في أمر تصوفه وذلك لاضطراب الإشارات التي تبثها قصائده، فتارة تلتقط الأذن دعوة صريحة إلى الخمرة والسكر، وتارة أخرى تصبح هذه الخمرة معتقة، وتارة نسمع نغمات الغزل العِذاب في أوصاف محبوب إنساني، وتارة أخرى تصبح هذه النغمات ملائكية سماوية في المحبوب الأكبر سيد الأكوان، وكثيراً ما تختلط الإشارات في لحن كوني تنعدم فيه الحدود بين ما هو أرضي وما هو سماوي.

إن فصل تلك الإشارات يحتاج إلى حساسية فائقة في الالتقاط، وهذا لا يمكن توفره إلا لدى النخبة المختارة، خاصة وأن شعره يكاد يخلو من المصطلحات الصوفية، إنه أشبه بفراشة ربيعية ذات أجنحة شفافة ملوَّنة، تحملها الأنسام العلوية، فهو في طيران دائم. يقول الشاعر:

ليس يعرف شعر حافظ ومقدار أسره للقلوب

إلا من يمتاز بلطف الطبع، ويعرف البلاغة الدّريّة

وزاد العرفان عنده إسلامي، وهو التأمل والضراعة والخلوة في الليالي المظلمة، ودراسة القرآن.

ويا حافظ ما دامت أورادك في زاوية الفقر، وفي خلوة الليالي القاتمة

هي الدعاء والضراعة ودراسة القرآن ..فلا تحزن

أما زاوية الفقر فهي الخرابات، فيها ينقطع الشاعر بقلبه المحطم الخرب ليعاقر الخمرة السماوية الحلال ووجه المحبوب المتعالي.

قل لهم: لا تحضروا الشمع في هذا الجمع هذا المساء

فقد تمَّ قمر الحبيب في مجلسنا، واكتمل البهاء

إن الأَسْر في شعره لا يعود فحسب إلى ما فيه من قيم جمالية تعبيرية تصويرية وإنما إلى ما فيه من قيم شعورية وعرفانية أيضاً، إنه لحن النجوم، وأغنية للزهرة تدعو المسيح إلى الرقص في السماء.

فأيُّ عجب يكون في السماء إذا كانت أقوال حافظ

أغنية للزهرة تدعو المسيح إلى الرقص.

إنه أنشودة لأهل القلوب والنفوس العارفة تمنحهم سعادة الصفاء والفناء، وتصف لهم الأحوال في كثير من الشفافية.

وهو يريد أن يقدم شعره جمالاً كلياً عاماً ومتعة مشتركة لا تقتصر على فئة أو مذهب.

كل نكتة قلتها في وصف تلك الشمائل

قال من سمعها: لله درُّ القائل

وهاكه الحلاج على المشنقة يتغنى بهذه المسألة في لحن عذب

فيقول: إن الشافعي لا يُسأل في هذه المسائل

ولقد قلت له: متى تعفو عن روحي العاجزة؟

فأجاب: حينما لا تكون الحياة بيننا هي الحائل

ولقد أسلمت قلبي إلى صاحبة فاتكة قاتلة محبوبة

مرضيَّةِ السجايا، محمودةِ الخصال

تخطى حافظ ما وصل إليه الصوفيون من قيم شعورية وتعبيرية وتصويرية عالية إلى مرتبة أعلى من طرح خرقة الصوفي، وانفلت من أسر الكلمات المحترقة إلى عالم الغزل العلوي محلِّقاً فيه بحرية كاملة، فشعره أكثر شفافية وبساطة وقرباً من جميع القلوب والعقول على اختلاف درجات انجذابها وفهمها والتقاطها. إنه شعر تخطى المقامات والأحوال الصوفية إلى عالم علوي رحب يعيش فيه الواصل حرية لا تعقلها حدود المكان والزمان تتمتع فيه العين بضياء وجه المحبوب القمري، وتتعطر المشام بأريج طرَّته، وتشنف الأذن بأقوال الناي، ونغمات العود، وتغريد طائر الأسحار، وصوت مطرب العشق، ويسكر العقل والقلب بالخمرة والساقي.

لا فرق في العشق بين الخانقاه والخرابات

فضياء وجه الحبيب يبدو في كل مكان

يجمع حافظ العلم والمعرفة إلى العرفان، ابتدأ بحفظ القرآن فلما أتمه لقب بالحافظ، ثم أصبح مدرِّساً في مدرسة بناها الشاه شجاع خواجة قوام الدين محمد، يكسب من التدريس لقمة عيش بسيطة، وكان يدرس تلامذته كشّاف الزمخشري في التفسير، ومصباح الطرزي في النحو، وطوالع الأنوار في الحكمة والتوحيد، ومفتاح العلوم في الأدب. حتى إذا فرغ من دروسه أسمعهم شيئاً من شعره.

وتكثر في شعره الإشارات وهي غالباً ما تكتسب دلالات معرفية وعرفانية جديدة، فمرآة الاسكندر رمز المعرفة، وكأس جمشيد رمز للعقل البشري، وماء الخضر رمز للخلود بالمعرفة والعشق.

كلمات حافظ وأغانيه لا تعلم الإنسان أو تفتح أمامه نوافذ العرفان فحسب، وإنما تحمله على أجنحة البيان الساحر وبراق النفس الراضية المرضيّة، وتحلِّق به بعيداً نحو عالم حافل بالرؤى والصور والعواطف والأفكار، ثم تحط به في صمت أمام الفردوس تقرع أبوابه في همس وهدوء لتمنحه سعادة الحياة الأبدية. يقول جيته:

اعلموا أن كلمات حافظ وقوافيه

تحلق دائماً..دائماً، وهي دائماً في تحليق

قارعة أبواب الفردوس في همس وهدوء

ناشدة لنفسها حياة خالدة

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة