نظير زيتون .. خطيب بارع وشاعر رقيق

العدد: 
15034
اثنين, 2017/08/07

ولد الأديب نظير بن عيسى زيتون في حمص عام /1896/ وتلقى تعليمه في الكلية الإنجيلية والتي كانت تدرس اللغة الإنكليزية بالدرجة الأولى والعربية والفرنسية بالدرجة الثانية.

بدأ بنشر مقالاته الأدبية في جريدة (حمص) ومجلة (الإخاء) التي يصدرها الأديب جبران مسوح بحماة وفي عام /1914/ وذلك في أيام السفر برلك حيث كانت البلاد تمر بظروف عصيبة من الناحية الاقتصادية والعسكرية نتيجة الحرب الكونية الأولى فسافر إلى البرازيل وكان عمره 18 عاماً وحاول العمل في التجارة فأخفق لأنه لم يخلق لها أصلاً.

عمل في الصحافة واعتمد على جهد الخاص في تكوين شخصيته الأدبية المستقلة وتثقيفها وتنميتها وصقلها بالقراءة والاطلاع والدراسة والاجتهاد فتفتحت موهبته وذاع صيته فدعاه اللغوي المعروف الشيخ رشيد عطية ليتولى تحرير جريدة (فتى لبنان) وعمل في تحريرها 15 عاماً نال خلالها نصيباً وافراً من الخبرة والشهرة فلمع اسمه وذاع صيته في المهجر بصورة عامة وبين الأوساط الأدبية بشكل خاص فتبوأ مكانة فكرية وأدبية سامية في المهجر الجنوبي لأميركا وأصبح ركناً أساسياً من دعائم (العصبة الأندلسية) ومن أئمة كتاب مجلتها المرموقة (العصبة).

وقد اشتهر نظير زيتون بالخطابة فكان خطيب النادي الحمصي في سان باولو عاصمة البرازيل وجمع خطبه في كتاب سماه (الشعلة) وسار من بعده عدد من الأدباء على المنوال ذاته ففي حلب على سبيل المثال جمع سماحة مفتي حلب الدكتور محمود عكام مقالاته الأدبية والدينية والفكرية والاجتماعية المنشورة على صفحات جريدة الجماهير بكتاب سماه (جماهيريات).

وقد نحذو نحن حذوهم الميمون وسنتهم المظفرة وننشر ما كتبناه في المجلات والدوريات والصحف السورية والعربية تحت عنوان (حصيلة العمر) وذلك في كتاب واحد شامل.

وشارك نظير زيتون عام /1932/ بتأسيس (العصبة الأندلسية) إلى جانب كوكبة رائعة من أدباء الأمة العربية من أمثال: الشاعر القروي وإلياس فرحات وحسني غراب وغيرهم.

وكان لنظير زيتون دور بارز في تأسيس (مجمع الثقافة العربية البرازيلية) في سان باولو. كما كان عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق وفي المجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون بدمشق وعضواً مراسلاً لمجمع اللغة العربية في القاهرة.

وقد سعى إلى تدريس اللغة العربية ونشر الأدب العربي في المهجر.

أصدر الأديب نظير زيتون عدداً من المؤلفات تقدر بنحو 16 كتاباً ما بين تأليف وترجمة ومن المعروف رشاقة قلمه وأسلوبه الرقيق وسجعه الأنيق بدون تصنع أو تكلف.

وفي عام /1950/ عاد شاعرنا إلى مسقط رأسه حمص والتي يسميها زميله الشاعر نسيب عريضة (ذات الحجارة السوداء) وبقي فيها بعد أن غلبه الشوق والهيام والحب حتى توفي فيها.

كان الأديب شخصية عربية قومية معروفة في أصقاع العالم. وكان محط اهتمام الحكومة السورية فلم تبخل عليه وكرّمته عام /1950/ ومنحته وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى وقد منحته الحكومة اللبنانية وسام الأرز من درجة فارس لدفاعه عن استقلال لبنان.

كتب وهو في حمص قصيدة (نداء سورية) نظمها على لسان سورية الوطن الأم وهي تناجي أولادها البررة وما أشبه الأمس باليوم فسورية الأم الحنون تخاطب الأبناء الذين أجبرتهم الظروف الصعبة على مغادرة الوطن وهم يكابدون العشق وحب الوطن على فراقه وهذه القصيدة لحّنها وغناها الموسيقار وديع الصافي وسجلت على اسطوانات في المهجر يقول الشاعر في بداية قصيدته:

ناجت الأنجم عين ساهرة            سفرت أحلامها الغر الصباح

والرؤى تغمر روحاً شاعرة           هاجها الوجد فجاشت بالصداح

إن سورية هي الأم الحنون ذات القلب الواسع وبعد الأم كما يقول المثل (حفور وطم) يؤرقها النوم شوقاً إلى أبنائها الذين رحلوا عنها فبقيت تحلم بهم حتى لاح الصباح بشعاعه الذهبي.

وغلب الوجد على الجميع فتفجر ذلك شعراً ملائكياً عذباً مؤثراً صرح به الشاعر بقوله:

إن سورية تنادي أكيدا               نزحت عنها إلى الشط البعيد

فتية العاصي زهت أعلامهم         لكم المجد طريفاً وتليد

كانوا أصحاب رسالة رفعوها للملأ في مهجرهم فمنهم من عاد ومنهم من بقي في مهجره.

وقد اختتم الشاعر نظير زيتون قصيدته المغناة بالأبيات المعبرة عن فرحة اللقاء بالأهل والأحبة:

صوت سورية ينادي         صارخاً في كل وادي

فحقول تنشد البنين           وسهول ترسل الحنين

حبذا يوم لقاء               إنه اليوم السعيد

وخلال إقامته في حمص قامت ثورة تموز عام /1952/ فانتقلت مصر إلى دائرة العروبة الفاعلة ما دفع دول الحقد إلى العدوان الثلاثي في تشرين الأول عام /1956/.

كما تكحلت عيناه برؤية علم الوحدة بين مصر وسورية وقيام الجمهورية العربية المتحدة في /22/ شباط /1958/ ثم كسر خاطر الشاعر بنكسة الانفصال المشؤوم في 28/أيلول/1961.

ولا شك في أن هذه الأحداث العظيمة في مسار وطنه سورية ووطنه الكبير (الوطن العربي) من المحيط الهادئ إلى الخليج الثائر كان لها أبعد الأثر في إثارة مشاعره الوطنية والعزيزة على كل مواطن عربي.

ولا بد في هذه العجالة من أن نذكر قصيدته العصماء التي كتبها في يوم الجلاء:

إذ ذكر فيها التضحيات والدماء الزكية التي قدمها المجاهدون على مذبح الوطن فكانت مهر الجلاء:

فجري من دمك القاني عيوناً         واخضبي الأرضين ساحاً بعد ساح

وانثري الأكباد قرباناً على الد         رب، في الدرب، نضال ونواح

إن للحرية الحمراء مهراً              من دموع ودماء ونفاح

ومن نافل القول: إن النفاح مصدر من فعل نفح وهو الطيب ورائحته الزكية الفواحة.

إنهم الشهداء الذين قدموا وما زالوا يقدمون أرواحهم رخيصة في سبيل تحرير وتطهير سورية وصيانة استقلالها ووحدة ترابها الطاهر وفي هذا يقول الشاعر:

أيها التاريخ قف واخشع             جلالاً لتحيى الشهداء

والمغاوير الألى قد جاهدوا           بين قواد لهم أو زعماء

هي أم حبلت بالمجد واشهد          مولداً قرت به أعين السماء

وانثر الورد زكياً واسكب             الطيب سخياً واتل آيات الثناء

إنه الشهيد الذي يمنح للنصر معنى ومغزى فكلنا قرابين على مذبح الكرامة والعز والنصر.

وقد نشر نظير زيتون مؤلفاته في صحف ذلك الوقت وهي:

فتى لبنان – العصبة (في المهجر) – جريدة حمص – مجلة الضاد ومجلة الكلمة ومجلة اليقظة والمجلات الثلاث الأخيرة كانت تصدر في حلب.

رحل نظير زيتون في 23 تموز /1967/ بعد أن كان شاهداً على النكسة وقد أقيم حفل تأبين له بحضور وزير الثقافة السوري.

ويا ليته كحل عينيه بحرب تشرين التحريرية عام /1973/ التي أعادت العزة والكرامة وإرادة التحرير لسورية والعرب.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
المحامي مصطفى خواتمي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة