أهمية الثقافة في المجتمع والغاية منها

العدد: 
15035
ثلاثاء, 2017/08/08

يشير المعنى الاشتقاقي لكلمة الثقافة إلى الامتحان والتجربة والعمل، فتثقيف الرمح هو صقله وشحذه وتقويمه بالنار وهذا المعنى يربط الثقافة بالعمل الإنساني والخبرة الحية والممارسة المستنيرة. فهذا ما يميز الثقافة عن التعليم فالتعليم هو تلقي معلومات منظمة بطريقة مخططة بغية صيانة الفكر الوطني العام وتوجيه الوجدان وتحديد المسلك الأخلاقي.

أما الثقافة فهي ثمرة المعايشة الحية والتلقائية لأمور الحياة والتفاعل مع تجاربها وخبراتها المختلفة، يقوم بها ويحمل لواءها أشخاص موهوبون أخذوا على عاتقهم خدمة الوطن ومحبته، فالثقافة هي نظرة عامة إلى الوجود والحياة والإنسان وهي كذلك موقف معين من كل هؤلاء.

إن المثقف هو من استطاع أن يعرف شيئاً من كل شيء وأن يمارس ويختبر الأشياء وذلك لخصوصية يتميز بها عن سواه من البشر، أهمها الانتباه إلى كل ما يجري حوله ومحبة البحث والتقصي في كل شيء وهذا ما يجعله إنساناً يحمل في داخله قيماً عليا تتجلى في محبته لوطنه وإرادة تجسيد أفكاره إلى واقع يستطيع به رفع سوية الحياة الاجتماعية والارتقاء بوطنه نحو الأفضل لذا كان من واجب المجتمع تكوين طبقة أو مجالس معينة لمثل هؤلاء تختص بدراسة وتقصي وبحث أمور المجتمع من كل جوانبه على أن تكون كل القوى الاجتماعية الفاعلة ومراكز القرار خاضعة إلى تلك الطبقة المثقفة وأن يهيئ المجتمع الوسائل الناجعة للتواصل الدائم ما بين تلك الطبقة والشعب.

وهذا برأيي هو العمل اللازم للمثقفين وهو أقرب لمدرسة أرسطو الثقافية التي قالت بسيادة طبقة المثقفين في المجتمع أي أن يكون للثقافة طابع إرشادي يتواصل بشكل دائم مع الشعب لخدمة مصالح طبقات الشعب العاملة.

إذن فالثقافة هي تعبير عن الواقع وأداة لتغيير هذا الواقع من خلال الاشتراك في التغيرات الاجتماعية أي إنها أداة للتغيير والتطوير وتحرير المجتمعات البشرية من عوامل الاستغلال والتخلف.

في مثل هذا فإن الثقافة لا تصبح مجرد متعة محدودة لفئة محددة من البشر بل إنها غاية من غايات التقدم البشري وهدف من أهدافه الأصيلة.

ولعل الأهم من كل هذا هو أن يأتمر المجتمع من قبل مثقفيه تلك المعضلة التي لم تحلها المجتمعات المتخلفة لأن المثقف في تلك البلاد يقبع في زاوية مظلمة لا يستطيع من خلالها إبداء رأيه أو اتخاذ قرار ما.

لقد توهمت كثير من الدول الناشئة أنها ستتمكن من حل مشاكلها وتحقيق طموحاتها الاقتصادية والسياسية بزيادة أعداد المتعلمين في مجتمعاتها فعملت جاهدة في سبيل ذلك ولكنها وجدت بعد جهد جهيد أنها ما زالت في عداد الدول المتخلفة رغم أن لديها الكثير من الإمكانات المادية والاقتصادية واستطاعت أن تمتلك أعداداً هائلة من الجامعيين تفوق الكثير من الدول المتقدمة ورغم كل تلك الجهود المبذولة ما زالت تلك الشعوب متخلفة وتعاني من جميع ترسبات التخلف وكل هذا يعود إلى أن الطبقة المثقفة ما زالت تعيش في دائرة ضيقة لا تستطيع منها الخلاص وهي غير قادرة على العطاء وممارسة دورها الريادي في قيادة المجتمع حتى أنها نتيجة ذلك غير قادرة على إصلاح نفسها، وللحقيقة أقول: إن الثقافة في تلك الدول تثير عدداً من الإشكاليات والتي أهمها أنها ثقافة اتباعية ونمطية خارجة عن ثقافة المجتمع الحضري المنفتح، تقوم على الانتفاع لكسب العيش والتناقض في أغلب الأحيان مع الحداثة إذ إن كثيراً من عناصر الثقافة ما زالت مغرقة في القدم ولا تحمل عناصر الإبداع والتطور.

وخلاصة القول: إن من معاني الثقافة أيضاً الحذق والفطنة وتسوية الاعوجاج وتقويمه والمغالبة والملاعبة بالسيف وسرعة الفهم والتعليم والمهارة والتأدب والتهذيب والذكاء وحري بنا أن نأخذ بتلك المعاني الرائعة وأن نرعاها لننطلق نحو الأفضل.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أحمد منير سلانكلي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة