سلامٌ من صُنعِ الشباب

العدد: 
15039
سبت, 2017/08/12

إن الشباب هم البُناةُ العاملون...

 في موطنٍ يرقى لهم وبهم يكون

ساروا على نهج قويمٍ رائدٍ ...

 جاءت به رسُلُ الإلهِ الناصحون

قوموا بعزمٍ فالمعالي شأنُكم...

إن الوفيَّ لشعبه لا لن يهون

إن مرحلة الشباب هي المرحلة الأهم في حياة الإنسان، وهي الطور الذي تُشادُ فيه كل القيم والمُثل، وتتكون في هذه المرحلة النفسُ البشرية والعقل الواعي المتأهِّب لأداء دورِه في الحياة وحمل الأمانة في المجتمع الذي يعيش فيه.

ومن هذا المُنطلق كان التركيز على بناء الشباب ليكون قادراً على أداء مهمة الاستخلاف في الأرض التي أناطها الباري عز وجل بالبشرية {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً...}[سورة البقرة:30].

وكذلك كان الحضُّ النبوي على انتهاز هذه المرحلة العُمْرية الخصبة المنتجة في الحياة حيث قال صلى الله عليه وسلم: (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك) رواه الحاكم.

ولكي تُغتنم مرحلة الشباب أفضل اغتنام لا بدَّ من أن يتحصّن الشباب بالمعرفة التي تُظهرُ حجم الأمانة التي سيحملها متابعاً من خلالها مسيرة الأجيال السابقة بناءً وتطويراً، فيبدأ من حيثُ انتهوا؛ مُشكِّلاً ذاته على مهل ورويَّة فيحملُ خير السابقين من الآباء والأجداد من غير أن يكون صورةً مطابقةً لهم، ولينهضَ في تطوّرٍ مستَمرٍّ ليتابع المسيرة.

فإذا غفل الشباب عن هذا الربط بين الماضي والحاضر فإنه سيُلقي بنفسه في متاهة الفراغ؛ فلا امتلك أرضاً للمعرفة ينطلق منها لعمارة مستقبله، ولا استغلَّ لَبِنَات الواقع ليُتابع ذلك البناء الذي تركه سلفه، فلا يستطيع أن يبني أو أن يرتقي؛ ذلك أن الباني يرفع بناءه على أساس وكذلك الشباب إن لم يربط نفسه بماضيه يكون كمن يحاول البناء من غير أساس يستند إليه.

إن الارتباط بين الأجيال المتعاقبة ضرورة لقطف مجد الشباب في بناء الحضارات واستمرار الشعوب وتطورها.

على أن من حقِّ الأجيال القادمة أن تشكِّلَ نفسها في إطار التطوّر العلمي والتقدم التقني وأن تكون لها شخصيتها الخاصة؛ غير أن تلك الشخصية الخاصة متكوّنة أصلاً من الواقع الذي تحيا فيه ثم تصبحُ استمراراً له؛ فتلك الشخصية الخاصة لا يمكن أن تنفصل عن تراثها بل إنها تتخذ منه ركيزةً وأساساً ثم تنمو فتُضيف إليه لبناتٍ في بنائه الحضاري القائم؛ لذلك ليس في إمكان الشباب أن ينفصلوا عن تراثهم ومجتمعهم؛ وليس في وسعهم أن يضربوا عرض الحائط بتجارب السابقين أو أن يتجاهلوا خبرات الأولين فإن فيها الشيء الكثير من الفائدة لعلاج المشكلات التي تعترض الحاضر وتُنظم خُطا المستقبل.

إن تجارب الأمم هي زاد الأجيال المؤهلة لبناء المستقبل في أوطانها؛ وإذا انفصلت شريحة الشباب عن تلك التجارب فإنها ولا ريب ستحيا في ضياعٍ وتخبط.

ولذلك عندما خُطط للمؤامرة على وطننا العربي الكبير عموماً ووطننا العظيم سورية بما سُمِّي بالربيع العربي المشؤوم استهدف المتآمرون شريحة الشباب لتكون شرارة البدء منهم ولينفصلوا عن قيمهم وأخلاقهم ووطنهم فلا يرتكزوا عليها مما يجعلهم أداةً طيّعة في أيدي المتآمرين وذلك ما حصل مع الكثير من الشباب.

وإذ تأتينا مناسبة يوم الشباب الدولي الذي حددته منظمة الأمم المتحدة في الثاني عشر من شهر آب من كل عام، ليس مصادفةً أن تختار الأمم المتحدة لهذا اليوم في هذا العام تحديداً (2017م) موضوعاً بعنوان: "سلام من صنع الشباب" ذلك أن إدخال الشباب في جدول أعمال السلام والأمن وفي المجتمع على نطاق أوسع هو عنصر أساسي في بناء السلام واستدامته.

فكما كان بعض الشباب المُنساق وراء مصالحه بعيداً عن قيمه وقوداً لتلك الحروب الطاحنة التي أودت بحياة مئات الآلاف في الأعوام السابقة في مختلف أنحاء الوطن العربي، فإنه يمكن للشباب الواعي أن يقوم بدورٍ مهمٍ في صُنع السلام وترسيخ المصالحات وإيجاد الحلول للمُشكلات، وإعادة بناء ما خرّبه الإرهاب وأهله.

إن الشباب هم العنصر الأساسي في ضمان نجاح جهود حفظ السلام وبناء السلام على حد سواء.

فيا ربنا احفظ شبابنا واجعلهم بُناةً لوطنهم، اجعلهم ينطلقون من تراث أمتهم ليتابعوا البناء الحضاري بعيداً عن الخراب والمخرّبين.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة