مع شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء ..2- أبو العلاء في اللاذقية

العدد: 
15039
سبت, 2017/08/12

كنت وما زلت أجلّ أبا العلاء لا لوجود قواسم مشتركة بيني وبين شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء فحسب وإنما لأنه جدير بالحب والتقدير حتى بالنسبة إلى من يخالفونه الرأي في مواقف كثيرة وأنا أشاطره الرأي في معظم المواقف والآراء وكيف لا أشاطر الرأي ذلك العقل المتفجر جرأة والوجدان المنسوج حساً إنسانياً متعالياً والمتطلع إلى الخير العام؟! فهو القائل:

فلا هطلت علي ولا بأرضي    سحائب ليس تنتظم البلادا

وكيف لا ألامس ذلك التواضع الذي يذكرني بتواضع الأنبياء وكبار المتقين حينما يقول:

دعيت أبا العلاء وذاك مين      ولكن الصحيح أبا النزول

وقد حباه رب العزة ذاكرة تكاد تكون فريدة من نوعها إضافة إلى عقله الوقاد لأنه كما يقول: ما سمعت شيئاً إلا حفظته وما حفظت شيئاً ونسيته.

زار المدينة البيضاء حلب الشهباء والتقى بعلمائها وفلاسفتها وأدبائها ونهل من علومها ما نهل إلى أن توجه إلى انطاكية  في الشمال السوري إحدى عواصم  الوعي المعرفي لآلاف السنين واستقى من مكتباتها ورجالاتها  ما قدر له وخاصة في الأمور الفكرية والفلسفية سيما وأن انطاكية كانت إحدى أهم المدن التي  تتلمذ على أيدي أبنائها فلاسفة الإغريق الذين تلقوا من السوريين معظم فلسفاتهم وتنكروا لأساتذتهم، ثم توجه إلى  اللاذقية الرابضة على الشاطئ المتوسطي الضاحك والتي تحمل الكثير من المعارف والعلوم وخاصة أنها ليست بعيدة عن أوغاريت صاحبة الأبجدية الأولى والسمفونية الأولى وكان نزوله على مقربة من اللاذقية في أحد الأديرة حيث التقى الرهبان ولامس أبجديات التعايش التي كان يتقن الكثير منها بحكم عيشه في معزل عن الناس في معرة النعمان وتمت بينه وبين أحد الرهبان حوارات فكرية أظنها كانت حادة حيناً ودافئة حيناً آخر وآنذاك كانت اللاذقية أميرة الساحل وقد كان فيها قاض ومؤذن فإذا حان وقت الصلاة نادى المؤذن (الله أكبر) مقيماً الصلاة  لكنما كان أبناء الدير يقرعون نواقيس الكنيسة في التوقيت نفسه وهذا ما حدا به إلى القول:

غدا أهل الشرائع في اختلاف      تقض به المضاجع والمهود

ويبدو أنه لم يطل المكوث في اللاذقية فقد تعالت في أذنيه ضجة ولدت في مسامعه طنيناً:

في اللاذقية ضجة        ما بين أحمد والمسيح

هذا بناقوس يدق         وذاك بمئذنة يصيح

كل يعزز دينه       ألا ليت شعري ما الصحيح

وأبو العلاء هنا لا يخاطب محمداً ولا المسيح عليهما السلام، وإنما يخاطب أتباعهما لأنه على يقين حسب ظني بأن كليهما جاء برسالة إلهية وليس من حق أتباعهما تفضيل هذا على ذاك لأن التفضيل لذي الجلال والإكرام حصراً مع أن إيمان أبي العلاء لم يكن مستقراً آنذاك:

قال المنجم والطبيب كلاهما      لا تبعث الأجساد قلت إليكما

إن صح قولكما فلست بخاسر       وإن كان قولي فالخسار عليكما

مما يؤكد أنه كان على يقين بالبعث والنشور لأنه يحق الحق ويزهق الباطل.

ولم يغادر الساحل السوري حينما رفع تحية الوداع للاذقية بل تابع مسيرته المعرفية عله يجد في طرابلس الشام ما لم يحظ به في المدن الثلاث التي نزل فيها.

وقد تم له فعلاً الغرف من بعض الكتب الهامة في طرابلس ثم قفل راجعاً إلى مسقط رأسه بعد سياحته العلمية في تلك المدائن, وقد يكون حديثه الداخلي بينه وبين نفسه قوله تعالى: ((لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد , متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد )) , وقد يسارع أحد السادة القراء إلى الاعتراض , ومن حقه ذلك ’ لأن المعري لم يكن مؤمناً حتى تاريخه , لكن أي قراءة دقيقة لديوانه في تلك المرحلة (( سقط الزند )) تؤكد بأنه كان في حيرة من أمره ويتمنى لو يجد موقعاً ثابتاً يتمركز عليه وسماء دافئة يتظلل تحتها , وقد لمسنا ذلك منذ قليل في خطابه للفلاسفة والأطباء وعلماء الفلك في عصره ولمسنا تأكيده على البعث والنشور .. ولعل البعث أهم نقطة ارتكاز بعد التوحيد في الإسلام، إذ دعا إليه الأنبياء من نوح إلى إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد سلام الله عليهم أجمعين.

أقام في معرة النعمان في أوج فتوته وشبابه حوالي عقد ونصف من الزمن في هذه البلدة المعروفة بنقاء هوائها والماكثة غير بعيد عن ضريح الحاكم التقي النقي عمر بن عبد العزيز وشرع المعري في بيته بقرض الشعر ومجالسة الزوار من بلدته وما حولها كما كان يستقبل أحياناً بعض من يقصدونه من معارفه ومحبيه من حلب وأنطاكية واللاذقية وطرابلس الشام وغيرها من البلدان وفي هذه المرحلة أنجز ديوان الشباب ((سقط الزند)) والذي سأختار منه بضع أبيات من لاميته الرائعة:

ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل

                                    عفاف وإقدام وحزم ونائل

إلى أن يقول:

تعد ذنوبي عند قوم كثيرة

                                 ولا ذنب لي إلاّ العلى والفضائل

كأني إذا طلت الزمان وأهله   

                                 رجعت وعندي للأنام طوائل 

وقد سار ذكري في البلاد , فمن لهم

                                  بإخفاء شمس , ضوؤها متكامل

يهم الليالي بعض ما أنا مضمر

                                  ويثقل رضوى دون ما أنا حامل

وإني وإن كنت الأخير زمانه   

                                 لآت بما لم تستطعه الأوائل

وأتساءل ولعل بعضكم يتساءل: كيف تسنى له أن يقول ما قرأناه من علو وكبرياء وشموخ بلا هوادة مع أن سلوكه مع الناس أجمعين في منتهى التواضع؟

هذا التساؤل ما زلت أبحث له عن إجابة دقيقة كما أبحث عن جواب معقلن عن المركزية الأوروبية أو المركزية الغربية التي تصف نفسها وتتجاهل الآخر بكل أصناف العظمة والكبرياء وصولاً إلى الله خالقهم وخالق كل شيء لكنني لم أعثر على بصيص من التواضع لدى الفكر السياسي الغربي إلا حينما يكون مضطراً أو خاسراً .. وهو إلى ذلك سائر ...

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة