مع أبي العلاء شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء ... 3- أبو العلاء في بغداد

العدد: 
15045
جمعة, 2017/08/18

كان الهلال الخصيب موطن المعارف في العلوم في القرن الرابع الهجري كما كان كذلك في فترة ميلاد المسيح عليه السلام امتداداً إلى آلاف السنين قبل ميلاده الكريم باعتباره بؤرة الفلسفات والعلوم على طول امتداد التاريخ.

وكان المعري قد قضى وطره من الجناح الغربي لهذا الهلال كما ضاقت عليه سورية بما رحبت فاضطره هاجسه المعرفي للسفر إلى بغداد عاصمة المشارق والمغارب آنذاك وبذل ما في وسعه حتى أقنع والدته بالرحيل فسارعت إلى الاتصال بأخويها في حلب وأمن له خاله أبو طاهر التوجه إلى بغداد بسفينة تمخر عباب الفرات وما إن وصل إلى موقع القادسية حتى هجم اللصوص وعمال السلطان واغتصبوا السفينة مما اضطره لمتابعة سفره براً إلى أن وصل إلى العاصمة الإسلامية عام 398 للهجرة وما إن نال بعض الراحة لم يقصد أولي الحول والطول من ذوي السلطان والمال وإنما توجه إلى أصحاب الفضل والعلو من ذوي الوعي المعرفي فكان أول لقاء له بالإمام أبي حامد الاسفراني أحد أئمة العلوم الكلامية واللغوية والفقهية وعلم أهل المدينة بوصوله فراحوا يتقاطرون عليه وسرعان ما طلب الوفود إلى دار الحكمة ليغب من علومها ما قدر له ثم شرع بالتوجه إلى سادة المعارف ومجالسهم إلى أن تم له اللقاء برجل من ذوي الحضور المعرفي وهو الشريف المرتضى المشهور في العاصمة بالعلم الغزير والنسب الرفيع وكان قد طاب له المقام فأعلم خاله بما حظي به من إكرام وتبجيل وكانت علاقاته مع الجميع قوامها الندية الدافئة بما في ذلك الشريف المرتضى ولم يعد يشعر بغربته وربما لاح له البقاء في كعبة المعارف والعلوم واتخاذ بغداد مسكناً دائماً له.

لكنما حصل ما ليس في الحسبان كما يحصل في معظم الأحيان مع الأهل والأصحاب حينما تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. فذات يوم كان أبو العلاء في مجلس الشريف المرتضى وسيد المجلس يتحدث عن أبي الطيب المتنبي ويتحرى سقطاته وعيوبه إلى حد الانتقاص من عظمته في حين كان المعري معجباً بالمتنبي بلا حدود فلم يطق صبراً على تجريح الشريف للمتنبي فانتفض مدافعاً عنه بقوله:

لو لم يكن له إلا قصيدته (لك يا منازل في القلوب منازل) لكفاه.

فاستشاط الشريف المرتضى غضباً وقال لخدمه: اسحبوا هذا الأعمى من رجله. هكذا يروي التاريخ وقد نفذوا الأمر وألقوا بأبي العلاء خارج الدار وما إن هدأت أعصاب المرتضى حتى قال لمن في المجلس: أتدرون لم اختار الأعمى هذه القصيدة دون غيرها من غرر قصائد المتنبي؟ فقالوا: لا نعلم، فقال المرتضى: يريد أن يذكرني بقوله في تلك القصيدة:

إذا أتتك مذمتي من ناقص      فهي الشهادة لي بأني كامل

وأنا أشك في دقة الرواية كما حفظها لنا التاريخ وأشك كل الشك بأن يقول الشريف المرتضى (اسحبوا هذا الأعمى من رجله) لأنه أكبر من ذلك على كل المستويات ولكنها قد تكون ولدت في نفس المرتضى شيئاً من الجفاء وبنفس الوقت ولد موقف المرتضى شيئاً في نفس المعري مما سارع به إلى الرحيل. صحيح أن الحادثة مؤشر على ذكاء مفرط لكل منهما، وهذا وحده ينفي مقولة الشريف (اسحبوا هذا الأعمى من رجله) لأنها لا تليق بمقامه العلمي والأدبي والاجتماعي علاوة على مقامه الذي لا يطال باعتباره سليل بيت النبوة.

وكان ما كان من عزمه على العودة إلى معرة النعمان رغم محاولات أهل بغداد إقناعه بالبقاء بكل الوسائل المادية والمعنوية .. وتجمعت على بنية تركيبه النفسي آثار الحدث مع المرتضى وأمه المقيمة في سورية وذكريات الطفولة والشباب في المعرة فقرر الاعتزال بقوله:

أراني في الثلاثة من سجوني

فلا تسأل عن الخبر النبيث

لفقدي ناظري ولزوم بيتي

وكون النفس في الجسم الخبيث 

وكان قد بعث رسالة إلى أهل المعرة يعلمهم فيها قراره بالعزلة حتى لا يتفاجؤوا بسلوكه عند وصوله. وما إن حط رحاله في مسقط رأسه حتى انكب على ما كان عليه وكان قد بلغ أوجه من الاطلاع والتخمر المعرفي فأنجز ما استطاع من المؤلفات التي أذكر منها: الفصول والغايات في تمجيد الله ـ الألزم من لزوم ما لا يلزم، والمعروف باللزوميات ـ رسالة الغفران ـ رسالة الملائكة ـ إضافة إلى شروحه وتعليقاته على أهم شعراء تلك المرحلة كالمتنبي الذي سماه ((معجز أحمد)) وأبي تمام وأطلق عليه ((ذكرى حبيب)) كما شرح ديوان البحتري الذي لم يكن على تجانس معه فسماه: ((عبث الوليد)). ومعظم هذه الإنجازات غيبتها الأيام لكن ما تبقى منها يفصح عن عظمة هذا الحضور الأدبي والفلسفي الذي جسده أبو العلاء المعري.

لكنه إضافة إلى بعده العبقري في الأدب والحكمة والذي لم يطله أحد على طول امتداد الأحقاب فقد كان أبي النفس متواضعاً .. وإباء النفس والتواضع لا يجتمعان إلا في أكابر الزمان من أولي الألباب .. هذا إضافة إلى سلطانه على النفس تحقيقاً للضبط الذاتي السامي.

ولهذا كان حصاد تعامله مع الآخرين يتمثل بمصداقية القول والفعل مع عفة سامية يدعمها قهر للشهوات ابتداء بالطعام الذي لم يكن يتعاطى إلا اليسير منه، ممثلاً بالعدس والتين اليابس إضافة إلى عدم تناول لحوم الحيوانات ومنتجاتها كنباتي من الدرجة الممتازة، وصولاً إلى الخشن من اللباس والحد الأدنى من الأثاث.

لكن رحلتنا اليسيرة مع شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء لم تنته بعد، وأرجو أن تستمر مرافقتكم لي للتعايش مع هذا المعطى المعرفي والحضاري في زمن الطغيان المادي تماسكاً وتجانساً مع زوابع القتل والتهجير والتجويع إرضاء للشيطان وأتباعه ممن يخالون أنفسهم أتباع الرحمن وهؤلاء يغص بهم الوطن العربي والجغرافيات الإسلامية في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. 

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة