مع شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء .. أبو العلاء والمرأة

العدد: 
15052

إذا كانت المرأة لوحدها نسيج من الشفافية والاختراق للذكورة .. فماذا يكون الرجل؟

وإذا كانت الفواصل بين الأجناس البشرية مجرد لغات وعادات وتقاليد مختلفة حيناً ومتشابهة حيناً آخر فذاك منوط بالألوهية، فهناك قواسم مشتركة بين الناس أجمعين على رأس الهرم منها: وحدة الجنس ومحاور الحب والحلم والتسامح وتحقيق خلافة الله على الأرض، وذاك تدبير حكيم للملك الديان.

وإذا سارعنا إلى قلب صيغ التساؤلات الآنفة الذكر فقلنا: إذا كان الرجل نسيج من الصلابة والتحدي .. فماذا تكون المرأة؟ ذلك منوط بالتدبير الحكيم لبارئ الأكوان.

وأسارع إلى الإجابة قائلاً: إذا لم يكن الأمر كذلك فكيف تتوالد نسائم الحب المتفاني بينهما؟

هذه التساؤلات والخواطر حلقت في مخيلتي كتحليق طيور النورس السابحة في الضياء في الأيام المشمسة على الشاطئ المتوسطي الضاحك .. وشريط الذاكرة يستعيد قول المعري:

علموهن الغزل والنسج والردن                    وخلوا كتابة وقراءة

وكأن المعري يقدم لنا نظريته في الأنوثة وموقفه منها بمنطق غير حيادي على الإطلاق بما لا يعرف إلى العدالة سبيلاً .. ليس هذا فحسب بل سارع إلى رسم العلاقة لنصف المجتمع بمنهج غير حضاري على الإطلاق وهذا الموقف العلائي غير المتزن من المرأة يضع الباحث في حيرة من أمره لأن المعري لم يكن مجرد شاعر كباقي الشعراء بل كاد يكون صاحب نظرية كونية شاملة ورؤية عامة في موقفه من الله والإنسان والعالم وهذا يعني أنه إنسان حضاري.. فكيف سمح لنفسه بإقصاء نصف المجتمع عن الحقل المعرفي وهو السبيل الوحيد لنهوض المجتمعات وتطورها؟

هذا الإشكال في الفكر العلائي يولد في نفسي الحيرة ويؤجج في ذهني ألف تساؤل وتساؤل.

من المعروف في تاريخه الشخصي أنه كان يحب والدته جداً مثله في ذلك مثل كل الأبناء ألا ما ندر، وكان يذهب بعيداً إلى حد التقديس لها، ووفق المعلومات التي وصلتنا فإنه لم يقع في أزمة عاطفية كبشار بن برد والشاعر الإنكليزي ميلتون وسواهما من كفيفي البصر الذين انجرفوا وراء عبق الأنوثة وجاذبيتها الفياضة لنقول بأنه ربما أصيب بصدمة عاطفية ساقته إلى اتخاذ موقف عدائي منها، إضافة إلى أن توهجه المعرفي يؤكد إحاطته بموقف الإسلام من المرأة محققاً ضرباً من التوازي بينهما وفق بنيته النفسية والجسدية وما وجد لأجله.

وجولة سريعة في مؤلفاته كاللزوميات والفصول والغايات وغيرها لا نكاد نلمس هذا الجانب العدواني من الأنوثة مع أنه اعتبر عملية التوالد جناية على المولود ذكراً كان أو أنثى وهذا ما دفعه إلى اتخاذ موقف سلبي من الزواج لئلا يؤدي زواجه إلى ميلاد كائن يجني عليه حسب مقولته التي سارت بها الركبان: (هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد).

فاعتبر الجاني هو الأب وليس الأم وهو يعلم أن كليهما يشارك في وجود الطفل ذكراً كان أو أنثى.

ذلكم المعري القائل:

غدوت مريض العقل والدين فالقني       لتسمع مني الأمور الصحائح

ولم ينطق بذلك إلا نتيجة خصام متواصل مع الدنيا وأبنائها خلال نصف قرن إلا قليلاً أمضاها في عزلته زاهداً في الحياة وما فيها ومع ذلك حاربه فريق من الناس ورموه بالاتهامات الباطلة حياً وميتاً بالكفر والزندقة والخروج عن الإسلام حتى جاء فريق من المستشرقين أمثال: نيكلسون ومرجليوث والإيطالي ميجوبل اتبن بلاسيوس وقالوا لنا: عندكم هذا المفكر الحر والمسلح بدفق عبقري، فساعدونا في نفض الغبار عن عظمته ويكفيه فخراً كتابه ( الفصول والغايات في تمجيد الله ) الذي فقد ثلاثة أرباعه وبقي منه مجلد واحد بمئات الصفحات واسم الكتاب يدل على بنية التركيب النفسي والعقلي لمؤلفه.

وقد هاجمه فريق من المؤرخين غير المدققين وغير المعقلنين بسبب شفاعته لأهل المعرة عند ابن مرداس الذي قدم إليها بجيشه وهو حاكم حلب عصر ذاك فغادر أبو العلاء عزلته لأول مرة ووصفها بقوله: ( كنت أسمعه هديل الحمام ويسمعني زئير الأسد ) حيث وقف بتواضع كبير لم يعهده في حياته مناقضاً بنتيه النفسية في الاعتداد بالذات  ليشفع لبني قومه من دخول ابن مرداس لحماية دورهم وإبقائهم بسلام آمنين، ولو كان المعري آنذاك معروفاً بكفره وزندقته لما قبل شفاعته ابن مرداس بل كان اتخذ زندقته حجة على أهل المعرة ودخلها وفعل فيها ما يفعل أي قائد عسكري في تلك الفترة المسروقة من الزمن والتي تم فيها الانقضاض على لوائح القيم واغتيال التسامح من جذوره.

وتعيد عزلة المعري إلي ذكرى عزلة الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري الذي فرض عليه اعتزال مسقط رأسه فهاجر هرباً من طغيان السياسة حتى عمدت دمشق الحضارة والمجد والسؤدد إلى كسر عزلته كمهاجر قسري واستضافته في أواخر القرن العشرين وهو نفسه القائل في إحياء ذكرى أبي العلاء:

قف بالمعرة وامسح خدها التربا  

          واستوح من طوق الدنيا بما وهبا

على الحصيرة وكوز الماء يرقده

             وذهنه ورفوف تحمل الكتبا

أجللت فيك من الميزات خالدة

              حرية الفكر والحرمان والغضبا.

فالغربة كانت بمثابة المفصل العام بين المعري والجواهري مع أن المعري كانت هجرته للمجتمع والانزواء في بيته طوعاً بينما الجواهري كانت هجرته قسراً وانتهت هجرة كل منهما بالرحيل إلى العالم الآخر.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة