ساطع الحصري ونتاج فكره الغزير

العدد: 
15054
أحد, 2017/08/27

ولد فيلسوف القومية العربية في لحج في اليمن عام 1880 من أبوين هما من حلب الشهباء كان والده محمد هلال حصري رئيس محكمة الاستئناف في اليمن.

ولما وصل الطفل ساطع إلى سن المدرسة أرسله والده إلى المدرسة الشاهانية في استنبول وبقي هناك إلى أن تخرج عام 1900 فعمل متنقلاً في دول البلقان في مجال التدريس مدة 8 سنوات.

ولاحظ ميل أقاليم البلقان إلى التعصب لقومياتها فدارت الفكرة في رأسه وراح يتعمق فيها لصالح القومية العربية للانفصال عن الدولة العثمانية التي لجأت إلى التتريك لهضم العنصر العربي، وفي عام 1908 عاد إلى الأستانة العاصمة حيث تولى إدارة مدرسة المعلمين في استنبول وقام بتنظيمها على أسس جديدة.

أبدى الحصري تعاطفاً ظاهراً مع حركة القومية العربية وشارك في جمعياتها السرية فأدى ذلك إلى خلافات مستعصية مع المسؤولين الأتراك حينئذ فقرر مغادرة تركيا والقيام بأول رحلة إلى أوروبا وكان ذلك عام 1910 اطلع فيها على أوضاعها الراهنة وعرف أسباب تقدم حضارتها.

وكان لقاؤه بالأمير فيصل عام 1918 الذي توج عام 1920 ملكاً على سورية نقطة تحول ومفصلاً أساسياً في حياته فقد وثق الاثنان ببعضهما وقامت بينهما صداقة استمرت حتى وفاة الملك فيصل.

وفي عام 1919 توجه ساطع الحصري إلى دمشق حيث أسندت إليه وظائف مختلف وذلك ضمن سلك المعارف وخاصة في عهد حكومتي رضا باشا الركابي وهاشم الأتاسي وكعادته قام بإدخال إصلاحات جذرية على نظام التعليم والمناهج وأهمها تعريب المواد الأجنبية فصارت الدروس تلقى باللغة العربية.

وفي عام 1921 دعاه الملك فيصل للتوجه إلى بغداد حيث أصبح فيصل ملكاً على العراق وأسند إليه وظيفة مستشار في شؤون المعارف وبغية أن يكون عمله متقناً ويلائم الواقع قام بجولات إلى مدن العراق كافة استغرقت ستة أشهر اطلع فيها على المناهج التعليمية التي كانت مرتبطة بالانتداب البريطاني بشكل كامل كما هو الحال في سورية في ظل الانتداب الفرنسي فقام بالاستغناء عن المستشارين الإنكليز وأسس وزارة التربية والتعليم العراقية، وفي عام 1924 قام بتأسيس الجامعة العراقية في بغداد وكان أول رئيس لها ثم أصبح عميداً لكلية الحقوق العراقية بين عامي 1931 – 1935 وتولى بعد ذلك مديرية الآثار حتى عام 1941 وكانت له في جميع المناصب المذكورة آثار إصلاحية واضحة.

قضى ساطع الحصري ثلاث سنوات في تأليف كتابه الضخم (ابن خلدون) ومن شدة إعجابه بالعالم واندماجه بأعماله وشخصيته فقد سمى ابنه البكر خلدون.

في عام 1947 استدعته الحكومة السورية كي يشغل منصب مستشار في وزارة المعارف بغية الاستفادة منه في إصلاح المناهج التعليمية وتعريب الكتب الفرنسية التي كانت تدرس حينذاك ولما انتهى عقده المحدد بمدة ثلاث سنوات سافر إلى مصر للتدريس في معهد العربية العالي ثم أصبح مستشاراً للإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية فترك بصمة واضحة في إنشاء متحف للثقافة العربية.

وفي عام 1953 أسندت إليه مهمة إنشاء معهد الدراسات العربية العالي التابع لجامعة الدول العربية وكان رئيسه الأول حيث أنه حمل على عاتقه متاعب التأسيس ووضع المناهج ورسم وتصميم الأطر الداخلية والخارجية للسياسة العربية فيه واختيار الأساتذة ونتيجة لذلك شهدت تلك الفترة نشاطاً ثقافياً متزايداً بوتيرة عالية حيث دعي إليه العشرات من المفكرين والإعلاميين من جميع الأقطار العربية وقام المعهد بنشر العشرات من الكتب التي تدور حول القومية العربية وآدابها وفلسفتها وثروتها الفكرية والأخلاقية وعكف على إصدار كتاب سنوي أكاديمي ضخم بعنوان / حولية الثقافة العربية / يتضمن دليلاً هاماً حول النظم والمناهج التعليمية والبيانات والإحصاءات الخاصة الموثقة لتكون مرجعاً للدول العربية كافة.

وكان العلامة الأمير مصطفى الشهابي محافظ حلب ورئيس مجمع اللغة العربية الأسبق يلتقي الحصري حين حضوره للمشاركة في المؤتمر السنوي لمجمع اللغة العربية في القاهرة. فوصفه الشهابي بقوله: إن شأن الحصري شبيه بشأن المحامين الذين يعجزون عن المرافعة أمام المحاكم في حين أنهم يبرعون في كتابة المذكرات القانونية التي يقدمونها في الدعاوى.

وفي عام 1951 زار القاهرة السياسي السوري الدكتور ناظم القدسي بصفته رئيساً للوفد السوري لدى مجلس جامعة الدول العربية فقدم إلى المجلس مشروع / إقامة دولة وحدة عربية / تضم جميع الدول العربية وكانت الدول العربية الأعضاء في الجامعة العربية والتي حصلت على استقلالها سبع دول وهي الدول ذاتها المؤسسة للجامعة العربية. وتضمن التوحيد في السياسة الخارجية وفي قوى الدفاع القومي والاقتصاد والمرافق الرئيسية وبحسب رأي القدسي: تكون بنظر الرأي العام العربي وبنظر الكتل العالمية موضع اهتمام.

وكانت الصحافة العربية عامة والمصرية على وجه الخصوص تعتبر أن الوحدة العربية لا يمكن أن تتم بين ليلة وضحاها بل يجب التدرج فيها بحيث يكون البدء من نقاط الاتفاق والتشابه وليس من نقاط الخلاف والتناحر وعقب ساطع الحصري على ذلك المشروع الوحدوي بشكل مطول.

وفي عام 1965 عاد ساطع الحصري إلى العراق إلى أن توفي فيها بتاريخ 21/12/1968 عن ثمانية وثمانين عاماً.

وكان الحصري عضواً في المجمع العلمي العربي في عام 1955 والذي أصبح اسمه في عهد الوحدة / مجمع اللغة العربية بدمشق /.

في عام 1977 احتفل المجلس العالي للعلوم بوزارة التعليم العالي في سورية بذكرى ساطع الحصري.

يعتبر الحصري من ذوي النتاج الفكري الغزير ومن أهم كتبه / دراسات عن مقدمة ابن خلدون / وسلسلة كتب أطلق عليها تسمية / آراء وأحاديث / تناولت جوانب من التاريخ والاجتماع والعلم والأخلاق واللغة والأدب والقومية والتربية الوطنية وله كتاب /يوم ميسلون / و/ العروبة أولاً/ وكتاب آخر بعنوان / صفحات من الماضي القريب/، ونقاشات جدية في كتاب تحت عنوان / العروبة بين دعاتها ومعارضيها / ومحاضرات في نشوء القومية العربية وكذلك كتابه / ثقافتنا في جامعة الدول العربية / والتي تحتاجها الدول العربية في وقتنا الحاضر.

كان المفكرون يتحدثون عن العروبة باعتبارها وشيجة طبيعية بين أبناء الأمة العربية بينما اعتبرها الحصري رحمه الله مذهباً سياسياً سماه / القومية العربية/ وهكذا نحن درسناها في الصغر ولن نتخلى عنها في الكبر بل نحن في أشد الحاجة إلى توضيحها وتطبيقها رغم زيادة الحواجز المختلفة من سياسية إلى عسكرية إلى اقتصادية إلى دبلوماسية وجمركية وغيرها.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
المحامي مصطفى خواتمي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة