مع شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء .. التوجه تلقاء العدالة

العدد: 
15059
جمعة, 2017/09/01

قد نجحف الباحثين المحدثين حقهم إذا قلنا إنهم لم يعطوا أبا العلاء شيئاً من العناية والدرس والتحليل لأن منهم من اهتموا به ومنحوه قليلاً أو كثيراً من الاهتمام ولكن ليس بحجم العناية التي قام بها القدماء ولا تجاريها إضافة إلى عدم التوقف عند جانب مهم في تفكيره ألا وهو الطابع الإنساني المسيطر على تفكيره في المجال الاقتصادي أي النزوع الاشتراكي عنه المعري بالمفهوم المعاصر وأنا لا أزعم إعطاء هذا الجانب حقه لأنني لست دارساً للمعري وإنما أنا مجرد سائح في عالمه أتوقف عند كل ما يستوقفني كبر أو صغر مثلي في ذلك مثل جوال قد يأخذ بلبه مالا يحرك ساكناً عند آخرين.

في الواقع ليس صعباً على القارئ تلمس هذا التوجه الإنساني على الصعيد الاقتصادي لدى المعري وهو متمثل في كل زوايا حياته كما في أشعاره ونثره وتعامله مع الناس والحياة لأن أبا العلاء إنسان قبل كل شيء يتحسس آلام الآخرين وينوء بحملها هماً ملازماً له كتركيب اجتماعي اقتصادي ناتج عن تعسف وظلم من فريق من الناس إلى القطاع الأكبر من المجتمع وهذا المجتمع بحكم انتمائه الديني إلى القرآن ومن أنزل عليه القرآن فإن هذا الانتماء يحول بين هذا الفريق وبين تراكم الثروة عنده، لأن مصارف الزكاة وحق المحتاجين فيما بعد الزكاة كالإحسان تحول بين نموه طبقة ثرية في المجتمع وهذا التوجه تلقاء العدالة الاقتصادية في المجتمع يتخلل معظم كتابات المعري بشكل خفي طوراً وظاهر طوراً آخر وليس غريباً عليه أسلوبه في الإخفاء والتورية لأننا عهدنا ملمحاً في كل مسألة يخشى ممارسة جرأته فيها كما يؤكد البيت الشعري التالي:

إذا قلت المحال رفعت صوتي       وإن قلت اليقين أطلت صمتي

فهو حذر لمعرفته أن كلمة الحق لا سبيل لها عند أصحاب الباطل .. إنها تفزع الفاسدين وتؤرقهم لكنه أحياناً يفصح عنها بوضوح بين لقوله:

فغنيهم نال الغنا ببخله       وفقيرهم بصلاته يتصيد

وهذا توجه معظم الناس على طول امتداد الأحقاب فجامعو الثروات يتفننون في أساليب الجشع بقدر ما يتفننون في أساليب الاستغلال بكل مفاصلها وبذلك حققوا إسهاباً مميزاً في إيجاد طبقات تمتلك الكثير ومن ورائها طبقات أخرى تكاد تسيطر على كل موارد المجتمع وهذا ما يعيد إلى ذاكرتي كتاب المفكر الفرنسي جان جاك روسو (أصل التفاوت بين الناس) والمعري الذي تلمس خطورة توضع الثروات لدى فئة قليلة قدر خطورة تراكم الملكية والآثار السلبية لها على لوائح القيم كلها بدءاً من الحب والحلم والعلم والتسامح التي تجسد الأخلاق العليا لكن الانعكاسات التي تفرزها الملكية الفردية على لوائح القيم من شأنها الإسهام في تدمير الضمير الاجتماعي وإجهاض اتجاه الإيثار إلى الأثرة الشخصية بعكس ما تطلع إليه المعري بقوله:

ولو كان لي أو لغيري قدر أنملة     من البسيطة خلت الأمر مشتركاً

وكما ترون يحدد البيت الشعري النظرة العلائية للملكية مؤكداً ضرورة عدم توضعها في أيدي فئة قليلة لأنه لو ملك الثروة لاعتمد مشاركة الآخرين بها وتوزيعها بعدالة واضحة وقد استوقف هذا البيت الشعري الباحث الدكتور زكي المحاسني في كتابه (أبو العلاء ناقد المجتمع) معلقاً: (وإني لأرى أن فقر أبي العلاء هو السبب الذي أطلع بين أشعاره هذا البيت السلبي) ومع احترامي للدكتور زكي المحاسني فإني أميل إلى اعتبار هذا البيت الشعري إيجابياً لأنه يتجانس مع التركيب النفسي للمعري ولأن فقره كان طوعياً ولو شاء لمدح الأشرار والأثرياء وحقق غنى فاحشاً كسواه فالمعري كان مستخفاً بالمال لقوله:

وما في الأرض من أحد غني        ولكن كلنا فقراء عالة

أي إننا فقراء لله الغني الحميد وكلنا محتاجون لبعضنا بالمال والخدمات الأخرى وهو في نظريته إلى الرزق والارتزاق لا يكاد يمتلك وضوحاً بيناً فهو يخاطب الدهر والزمان بقوله:

إذا كان لا يحظى برزقك عاقل      وترزق مجنوناً وترزق أحمقا

وهذه صورة الواقع في معظم الأحيان حيث يقع الرزق عند الجاهلين والحمقى والأغبياء والمال وسيلة لا غاية ولا يعمد إلى ادخاره إلا الضعفاء كقوله:

وهل يدخر الضرغام قوتاً ليومه      إذا ادخر البخيل الطعام لعامه؟

فهو لا يبيح الاكتناز والاستمساك بالخيرات من دون الآخرين كقوله:

ولا أروم نعيماً لا يكون لهم          فيه نصيب وهم رهطي وأشكالي

مما يؤكد رغبته الداخلية في إشراك الآخرين بما حقق من خيرات وهم من بني جلدته أولاً وبشر مثله شكلاً وطموحاً كما جاء في قوله الذي سارت به الركبان:

ولو أني حبيت الخلد فرداً            لما أحببت بالخلد انفرادا

فلا هطلت علي ولا بأرضي         سحائب لن تنتظم البلادا

ترى هل هناك توجه إنساني أكثر من هذا؟؟!!

 وكقوله:

يا بلاداً مشى عليها                 أولو افتقار وأغنياء

إذا قضى الله بالمخازي              فكل من فيك أشقياء

ثم يقول مستنكراً:

كيف لا يشرك الآخرين ممن أسدل الله عليهم النعماء وهم لا يختلفون عنهم بكل المواصفات الظاهرة فالكل خلق الله والكل بحاجة إلى القوت واللباس والمأوى.

لقد كان يرى نفسه كغيره من الناس رغم أن الآخرين منحوه مالا يراه في نفسه من الوعي المعرفي كقوله:

يظن بي اليسر والديانة والعدم        وبيني وبينهما حجب

أقررت بالجهل وادعى فهمي         قوم فأمري وأمرهم عجب

وأظنه أشار إلى ظن الآخرين به (اليسر) لغموض حياته في بيته في المعرة فأشار إلى ذلك نافياً الغنى واليسر وملحقاً بهما فهمه وعلمه وهذه الثانية، أي العلم والفهم كان يمتلكهما أبو العلاء بما لا يقبل الشك لكنما تواضعه الذي لا يعرف حداً دعا به إلى هذا الاستنكار.

وأظنه فوجئ إبان مكوثه في بغداد فتلمس زيف الحياة بمختلف أشكالها اختراقاً إلى التوظيف الطائفي غير المعقلن الذي كان يمارسه معظم الناس على استحياء حيناً وانزلاقاً إلى مجاري الضياع والتشتت حيناً آخر خوضاً في بحار رفع تحية الوداع للوائح القيم السامية والإسلام معاً ولهذا كان متمسكاً بالمثل العليا إلى الحد الأعلى فلم يمدح أحداً لعطاء أو نائل ولم يقبل هدية ولا صلة من شريف ولا وضيع كما يقرر ابن العديم مع أنه كان ذا محل عال عند الملوك يقبلون عليه ويقبلون شفاعته ويعظمون قدره كما يؤكد المؤرخون كياقوت الحموي وسواه وكان بإمكانه الحصول على ما لم يحظى به غيره ولو شاء لامتلك المعرة وأهلها لما منحها له صالح بن مرداس حينما شفع لأهلها فرفض المنحة بكل بساطة لأنه كان يرى الناس سواسية وفقاً للمنطق القرآني وللمنطق العقلي ولأنه كان يتطلع إلى مجتمع بلا طبقات وفقاً لرؤيته السامية.

فماذا عن إيمانه؟!

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
د . محمد الراشد

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة