الشاعر والصحفي كامل الشناوي

العدد: 
15060
سبت, 2017/09/02

في بداية ظهور المطربين المحترفين نهاية القرن التاسع عشر من أمثال أبي العلا محمد وعبده الحامولي وصالح عبد الحي وأحمد إبراهيم وأحمد السنباطي وغيرهم كان بعض الملحنين والمطربين يستأذنون الشعراء الفحول لغناء وتلحين الأغاني من أمثال قصائد أمير الشعراء أحمد شوقي وأبي القاسم الشابي أو من القصائد القديمة كما فعلت أم كلثوم في أغنيتها الشهيرة (أراك عصي الدمع) للشاعر الفارس أبي فراس الحمداني.

أو قد يكون المطرب هو ذاته الملحن وهو كاتب القصيدة أو الأغنية ثم يتفق مع شركة أسطوانات لتسجيلها على أسطوانة شمعية كانت هي الموجودة في تقنية ذلك العصر.

وفي الثلاثينيات من القرن الماضي انتشرت الأغاني في مصر وفي القاهرة بالتحديد مع بدء إرسال الإذاعة المصرية عبر الأثير العربي.

ويكاد لا يخلو فيلم في ذلك الوقت من أغنية سواء كان الممثل مطرباً أو حشرها بشكل أو بآخر في الفيلم وفي هذه التربة الخصبة ظهرت مجموعة من الشعراء الشباب تغنوا بالرومانسية وانتشرت تلك المدرسة الشعرية في العالم العربي ولذلك كان شعرهم أكثر ميلاً إلى الحب والإبداع والغناء ووصف الجمال بل تخصص بعضهم في الشعر الغنائي فيكتبون للمطربين العرب بصورة عامة وللمطربين المصريين بصورة خاصة أغاني شعرية راقية وكذلك الأنواع الخفيفة مثل: الطقطوقة –القصائد- الأناشيد الوطنية – المدائح النبوية- الدور- الموشح والمونولوج وغيرها.

كما كانوا يكتبون للمطربين الشعبيين الأغاني الزجلية التي تكثر فيها معاني ومقاصد الأمثال الشعبية والحكم والأقوال المأثورة.

وفي الليالي الكبيرة والموالد التي كانت منتشرة بكثرة في الريف المصري كانت المدائح النبوية في وصف الرسول من ولادته وحتى حجة الوداع ووفاته عليه السلام لها الأهمية القصوى ومن ينشدها يسمى (موالدي) والسبب في ذلك هو أن أغلب المنشدين والزوار تعليمهم الديني بسيط يتلقونه في الكتاتيب المنتشرة في الأزقة والحارات وعدد قليل منهم من خريجي الأزهر الشريف أو المدارس الدينية المتوسطة. وفي الأربعينيات تكونت وتأسست لهؤلاء الشعراء الغنائيين نقابة متخصصة بهم ونذكر بعضهم على سبيل المثال: مأمون الشناوي وهو شقيق فارسنا الشاعر كامل الشناوي وعبد الوهاب محمد ومحمود بيرم التونسي وأحمد رامي وعلي محمود طه.

ولد الشاعر كامل الشناوي في 7/12/1908 في قرية (نوسا البحر) التابعة لمحافظة الدقهلية وهو شاعر مصري غنائي وصحفي له باع كبير في الصحافة المصرية.

عمل في الصحافة الأدبية مع الدكتور طه حسين في جريدة (الوادي) عام 1930. ومن نافل القول: إن ميلاده كان عقب وفاة الزعيم الوطني (مصطفى كامل) فسماه والده كامل تيمناً بوطنية الزعيم الراحل الشاب المحبوب وكفاحه الوطني المشهود.

والده هو الشيخ سيد الشناوي قاض شرعي تدرج حتى أصبح رئيس المحكمة العليا الشرعية (محكمة النقض-الغرفة الشرعية) وهو من أعلى المناصب القضائية ولا يضاهيه في ذلك سوى رئيس الهيئة العامة للنقض أو النائب العام للجمهورية أو وزير العدل.

وكان عمه الشيخ محمد مأمون الشناوي شيخ الأزهر الشريف.

دخل كامل الشناوي الأزهر الشريف ولم يلبث فيه أكثر من خمس سنوات فقط، وعمد بعد ذلك إلى المطالعة العامة والمجالس الأدبية والعلمية ودرس الآداب العربية والأجنبية في عصورها التاريخية المختلفة.

ومن مؤلفاته: اعترافات أبي نواس - أوبريت جميلة الليل والحب، وآخر أعماله كانت أوبريت (أبو نواس).

أحب الشناوي الحياة بكل تفاصيلها وظل يتمتع بحضور ثقافي مميز وتوفي عن عمر 57 سنة.

ولا تزال بصماته الشعرية ماثلة على جدار الزمن بأصالتها وبفضل المطربين الذين غنوها غير مرة رغم مضي 52 عاماً على وفاته حيث توفي عام 1965.

ومن المعروف أنه ينتمي إلى عائلة فيها الكثير من الشعراء والكتاب والأزهريين. ويعتبر أحد ظرفاء زمنه بروحه الخفيفة دون أن يجرح أحداً أو يسيل دماً في نكاته الظريفة والتي عرف بها الشعب المصري ومن أقرانه: حافظ إبراهيم والمازني وعبد العزيز البشري.

يعتبر كامل الشناوي غزير الإنتاج الفكري وكتب في فنون الكتابة كافة ويصفه البعض بأنه مسرف حتى في الأكل والشرب والنوم والسهر كما في الكتابة.

وحتى لا ننحرف عن صلب موضوعنا وهو الشعر الغنائي لهذا الشاعر الفذ فقد كان يضع خلاصة عواطفه ومواقفه من الحب والحياة والمرأة في شعره ما جعل أغلب شعره يتردد على ألسنة العرب قاطبة لتتبلور لحناً على يد أكبر ملحني مصر والعالم العربي ويلهج بها أكبر مطربي الزمن الجميل فنحن لا ننسى صوت الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب:

ماذا أقول لأدمع سفحتها شوقاً إليك

ماذا أقول لأضلع مزقتها خوفاً عليك

هذه القصيدة هرول إلى تلحينها وغنائها كبار الفنانين وحتى يومنا هذا.

كان للشناوي رأي واضح ومؤثر في قضايا بلاده ولا سيما ثورات مصر ضد الاحتلال البريطاني فكتب في أكبر دور الصحف المصرية كالأهرام وآخر ساعة و(روز اليوسف) وتسلم رئاسة تحرير الأخيرة فترة من الزمن.

وإذا كان قلمه مقيداً لسبب أو لآخر أو غير كاف في تحرير الصحف فكان يلجأ إلى الشعر ملاذه الأخير فتأتي قصائده غاية في الروعة في جمال الكلمة وأناقتها وتأثيرها وأبعادها المختلفة، فيعبر عن مكنونات نفسه وشغاف قلبه وهزات روحه وهو الذي عرف الشعر بقوله: (والشعر إذا لم يهز قلبك وذهنك فهو ليس شعراً ولا يكفي أن ينبض فيك الشعر الذي تقوله بل يجب أن ينتقل نبضه إلى الآخرين وقلوبهم وقد حاولت في شعري أن أغني وأبكي وأرقص بصدق وموسيقا ولا أعرف هل نجحت محاولتي أو أخفقت كل ما أعرفه أني كنت صادقاً في غنائي وبكائي ورقصي).

ونحن نقول: لقد نجحت لأن كلماتك وصلت إلى قلوبنا فأينعت حباً وزهواً وتلتقها عقولنا فرفعت مكانة الشعر حتى حلق في الفضاء وكما يقول البعض: فقد وصل إلى حد السلطنة التي لاحد لها ولا سلاح أعلى منها.

اهتم الشناوي بهموم وطنه وشعبه مع مرافقته وصداقته لكبار رجال الفكر والسياسة فقد ظل وفياً لوطنه وثوراته ورفض شراء رتبة (بيك) مصطفاً إلى جانب الشعب ونجح أكثر من مرة في عدم سن تشريعات ملكية تحد من حرية الصحافة ويقال: إنه تنبأ بحدوث ثورة 23 تموز 1952 قبل حدوثها بيوم واحد.

وكان أول حديث صحفي لعبد الناصر مع كامل الشناوي ينشر في الصحافة المصرية وهو سبق صحفي له وقد نال أول وسام للجمهورية فزين به صدره وترك بعض المؤلفات المطبوعة: زعماء وفنانون ـ أدباء بين الحياة والموت ـ اعترافات أبي نواس وديوان شعر حمل اسمه.

غنى له محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ (حبيبها ـ لست قلبي-لا تكذبي) وغنى له فريد الأطرش ونجاه الصغيرة وغيرهم.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
المحامي مصطفى خواتمي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة