رواسب ورموز في التراث اللامادي .. رموز قومية وتاريخية

العدد: 
15060
سبت, 2017/09/02

إننا في تلمسنا للإيجابياِت يمكن أن نجد أنّ وَحْدَةَ الأسطورة يمكن أن تكون إحدى مقومات الوحدة، المؤدية للتقارب بين الأمم والشعوب، مثال ذلك أنهم اعتبروا أوزيريس أخاً لكنعان، وكان كنعان أول من سُمي بفينيقس. وكانت أعياد قيامة أوزيريس تقام في مدينة جبيل الشامية، كما كانت تقام في فاروس " الاسكندريه القديمة" أعياد وشعائر أدونيس الفينيقي، ومثل هذه الأسطورة يمكن أن تكون العمق التاريخي الأبعد للوحدة بين مصر والشام. بالإضافة إلى الروابط التاريخية العربية، وتعد الشعارات والرموز جزءاً من أساطير الشعوب.

 من ذلك الهلال والنسر، وهما الرمز القومي لعدد من الشعوب العربية والسامية، ونسر هو المعبود القمري السبئي، ويشير إلى القدرية والدهرية، وهو رمز لخلود الأمة وقوتها، وقد ورد في نصوص المسند اسم بيت نسور. ويورد عبيد بن شرية الجرهمي أسطورة الحكيم لقمان بن عاد ذي نسور، الذي ارتبط موته بفناء نسوره السبعة. وقد أطلق اسم المعبود سين "القمر" على يوم الاثنين من الأسبوع ومن أسمائه أيضاً " شَهْر "، ومن الغريب أن بقايا رموز المعبود سين (أو شين في الملحمات الأوغاريتية) نجدها في كتاب اللباد النسوي، وهو ليس بكتاب وإنما هو جملة معتقدات شفوية تتناقلها عامة النساء، حيث المأثورات فيه تدعو إلى أن يكون الاثنين يوم عطلة لسيدة البيت والرجل. ولهذا تقول الحكم الشعبية:

" غسيل يوم التنين شِدّةْ ودين ووجع إيدين "

" كول بالدين ولا تشتغل يوم التنين"

وقد اتخذ العرب في الجاهلية للقمر صنماً على شكل عجل بيده جوهرة، يسجدون له ويصومون أياماً معلومات من كل شهر، ثم يأتون له بالطعام والشراب، ويرقُصُون ويغنون حوله معيّدين ويبدو أن بني كنانة والحميريين والصابئة عبدوا القمر مع الشمس والسيارات السبع.

وسعى لقمان إلى الخلود عن طريق نسوره، كما سعى إليه الخضر، وفاز به في الموروث الشعبي، حتى أصبح رمزاً لاستمرار الحياة. ونجد بقايا ذلك في عادة جرت عليها بعض الأمهات، عند ما يشرق الطفل وتخاف على حياته، تقول له " خضر" كأنها تطلب له حياة الخضر، والخضر في الموروثات الشعبية الاعتقاديّة هو الذي قام بدفن آدم، وهو صاحب موسى ووزير ذي القرنين اليمني، وصاحب الظهورات التي تدل عليها المقامات المتعددة المنتشرة في أماكن عديدة في مختلف البلاد.

بعد الإسلام بقيت أنماط سلوكية جديدة كانت في الأصل تحمل مضمونات رمزية، مثال ذلك تقبيل الحجر الأسود، اللبنة الأساس في بناء البيت "الكعبة" الذي حقق الوحدة الفكرية منذ قيام إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ببنائه وهو الرمز للوحدة القومية القبلية بعد عام الفيل، حين اختلفت القبائل على من يضع الحجر المقدس من البناء في مكانه.

ومن ذلك أيضاً السعي بين الصفا والمروة، وهو الرمز التاريخي لقيام هاجر بالبحث عن أسباب الحياة - الماء-، والإشارة إلى هذه النعمة الأساسية التي كانت منها الحياة واختصت بها الأرض دون الكواكب "وجعلنا من الماء كل شيء حي" وإذا أوغلنا في تتبع المعتقد الشعبي بقدسية مياه زَمْزم التي انبجست في هذه الحادثة التاريخية، بالرغم من أنها مجرد نبع ماء، نستطيع أن نجد الخيط الذي يربط هذا الاعتقاد الشعبي بالفكر الإسلامي نفسه. إننا لا يمكن أن نتجاهل اتجاه هاجر الخارجي في سعيها بين الصفا والمروة مستشرفةً قافلةً تحمل ماء لتسقي ولدها إسماعيل، واتجاهها الداخلي النفسي بكليتها إلى الله في طلب هذه الحاجة. ومجيء النجاة إلهياً متمثلاً بانبجاس الماء، وهذا يتسق تماماً مع دعوة الإسلام إلى طلب الحاجة ممن وحده يُقصد في الطلب وهو الإله عز وجل، وإلى اليوم نجد الحاج يعود من الديار المقدسة حاملاً معه وعاء فيه ماء زمزم يسقى منه في كؤوس صغيرة القادمين للتهنئة بعودته.

ومع مجيء الإسلام وسيادة التوحيد كان من الطبيعي أن يتم إبعاد المضمون الوثني، مع الإبقاء على سلوك بعض الطقوس القديمة ضمن صياغات جديدة مثال ذلك طقوس الاستسقاء القديمة للمعبود حَدَدْ، ثم صياغتها بشكل عقلاني ومنظم في الإسلام، وهو الصلاة والتضرع لِلّه، مع بقاء رموز قديمة في المعتقد الشعبي، كأن يلبس المصلي جبة أو يحمل مظلة إلى أن انتهى ذلك بصياغة الفاصل الغنائي الفني الرائع وهو موشح (إسق العطاش).

ونجد استسقاء مغايراً، هو استعطاف الشمس لإرسال نورها ودفئها، والشمس من المعبودات القديمة، وقد أقام عرب الجاهلية لها صنماً بيده جوهرة على لون النار، وله بيت وسدنة وحُجّاب، وكانوا يأتون البيت ويصلون فيه ثلاث مرات في اليوم، يسجدون للشمس إذا طلعت وإذا توسطت السماء وإذا غربت، ولهذا نهى الرسول (ص) عن الصلاة في هذه الأوقات.

لقد اطلق العرب اسم عبد شمس على بطن من قريش، وقيل إن أول من تسمى به سبأ بن يشجب، وممن عبدوا الشمس حِمْير قبل أن يتهودوا، ويقول هيرودتس بأن العرب كانوا يعبدون أوروتال، وهي كلمة مركبة من الآرامية بمعنى النور المتعالي أي الشمس، واستسقاء الشمس يأتي على ألسنة الأطفال في شدوهم:

يا شميسه اطلعي لي *** لأنشر غسيلي

ومن أغانينا الشعبية:

" طلعت يا محلى نورها *** شمس الشموسة"

ولا ننسى أن عبادة الشمس كانت سائدة في سورية ومناطق أخرى وبخاصة في عهد الأسرة الحمصية " جوليا دومنا" للإمبراطورية الرومانية، وقد أقامت هذه السلالة السورية الحاكمة معبداً للشمس في روما نفسها.

إن الحاجة إلى النور ضرورة لاستمرار الحياة، واتخاذ ما يرمز إليه وسيلة لبلوغ الأرب، دعت الإنسان إلى إشعال الشموع في مزارات القديسين والأولياء وفي أعياد الميلاد، وإلى وضع قناني الزيت في الأضرحة. والزيت هو مادة النور، وذكر في القرآن لمقاربة التشبيه بالنور الآلهى" يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار".

لابد أن نفرق بين الصياغة الإسلامية التي لا تنفصل عن الفكر الإسلامي، وبين الصياغات الأخرى التي جاءت قبل و بعد الإسلام، والتي قد تتفق أو لا تتفق مع جوهر الفكر الإسلامي. ففي الحب مثلاً فقد أخذت شكلاً متناغماً مع هذه العاطفة، وذلك بتقطيف أوراق الوردة، كما ظهرت في حسابات رياضية هي حسابات النِّيم. أما الصياغة الإسلامية فهي عقلية نفسية إيحائية، تتجلى في الاستخارة وهي صلاة ركعتين ودعاء ثم محاولة الوصول إلى نوع من الصفاء النفسي والقرب الإلهي، ليسكن العقل والقلب على تصرف معين، والخير فيما اختاره الله، هكذا يقول المستخير. ومن الغريب أن نجد بعض الناس، يحيدون عن هذه الطريقة العقلية النفسية إلى حسابات جُمَّلية في معرفة التوافق بين الخاطبين، وهل يكون الزواج سعيداً أم لا، بدلاً من دراسة طباع كل منهما، معتمدين بذلك على بقايا من أسرار الحروف والأرقام في المذهب الحروفي وتناغم الأرقام عند فيثاغورث. على أن هذه الاستشارات لم تكن لها صفة القدرية أحياناً، وكان المرء يلغيها حين تقف دون تحقيق حاجته ورغباته، كما فعل امرؤ القيس حين خرج القدح الذي يقول: لا تحارب، فشتم المعبود ذا الخلصة، وأنفذ ما عزم عليه.

لو كنت ياذا الخلصة الموتورا *** مثلي وكان شيخك المقبورا

                     لم تنه عن قتل العداة زورا

 وكما رفض المعتصم استطلاعات المنجمين وتنبؤاتهم في غزو عمورية.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة